ولعل الشعر الجاهلي صورة نادرة المثال من صور رضوخ الإبداع لجماعية روافد التكوين الفكري والفني، فالنص الجاهلي مثقل إلى حد الإغراق بهموم القبيلة ومعاناتها لا نستثني من ذلك هموم الشاعر نفسه ومعاناته فهو لا يعدو أن يكون قطرة لا شكل محدد لها في خضمٍّ اسمه القبيلة حتى ليندر أن يواجه موقفًا فرديًا لا يُطل منه وجه القبيلة في هذه الزاوية أو تلك فإذا ما آل إلى أداته الشعرية كان عليه أن يواجه (تقاليد) فنية شبه ملزمة يجد نفسها محكومًا بممارستها ليمنح فنه قدرة القبول والانتشار في مجتمع لا يثير إعجابه إلا نص ملتزم بتلك التقاليد.
وعلى الرغم من ذلك كله فقد ظلت عبقريات الشعراء تنتزع مواطئ أقدامها على خارطة النصّ في معطييه الفكري والفني، فالهم الجماعي المتحكم في تشكيل البنية الفكرية للنص لا يتحول تجربة شعرية إلا من الزاوية التي يختارها المبدع ويفتح من خلالها طبيعة استشرافه للتفاصيل والمداخلات، فضلًا عن أن همومه الذاتية كانت تجد طريقها إلى ثنايا تلك البنية الجماعية أو تستقل بنصوص خاصة بها.