وقد أبدى القدماء إعجابًا شديدًا بهذا الكتاب، وكان ابن خلدون أقواهم تعبيرا ودلالة على قيمته حين قال:"وقد ألف القاضي أبو الفرج الأصبهاني - وهو ما هو - كتابه الأغاني، جمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيامهم ودولهم، وجعل مبناه على الغناء في مائة الصوت التي اختارها المغنون للرشيد، فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب وأوفاه. وهو لعمري ديوان العرب، وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الأحوال، ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه. وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها" (16) .
وقف أمامه الباحثون في عصرنا وقفة أكبار وإعظام، أفصح عنها المستشرق الإنكليزي فارمر بقوله"أنه كتاب من الطراز الأول في التأليف الأدبي للعرب، وقد أنفق فيه مؤلفه الجانب الأكبر من حياته، وأن المعارف التي يعرضها- ودع جانبًا ما استلزمه من دأب وصبر -تترك المرء خجلًا مما يسمى في عصرنا أدبا وموسيقى" (17) .
وقد حصلت لهذا الكتاب شهرة واسعة جدًا منذ أن ظهر للناس في أواسط القرن الرابع وحتى يومنا هذا، فتسابق العلماء والمتأدبون إلى قراءته على مؤلفه، ووصلت شهرته إلى الأندلس سريعًا، فبعث الحكم خليفتها إلى مؤلفه"ألف دينار عينا ذهبا، وخاطبه يلتمس منه نسخة.. فأرسل إليه منه نسخة حسنة منقحة" (18) ، كما بعث بنسخة أخرى إلى سيف الدولة الحمداني في حلب"فأنفذ له ألف دينار" (19) .