ولكن ديورانت لا يميز بين"الأشكال العددية"و"النظام العددي"، وكذلك يعرض نفسه للتناقض الفكري. ففي المقطع الثاني يقول ديورانت:"إن الصينيين أخذوا النظام العشري عن المبشرين البوذيين"ثم ينتقل فجأة إلى محمد بن موسى الخوارزمي مع أننا نعلم أن تأثير الصينيين بالأشكال العددية الهندية) لم يدخل فيه الصفر مطلقًا قبل عام 1247م.
يمكننا أن نشير إلى الفرق بين"الأشكال العددية"التي تأثر بها العرب وبين تأسيسهم للنظام العشري.
إن النظام الأيوني في الفكر اليوناني الثاني لم يكن يتناسب مع تطور علوم الحساب عند العرب فعندما وقف العرب على استخداماته في كتب الرياضيات المترجمة إلى العربية وعلى رغم كل الإرث اليوناني في العلوم لم يتمكن اليونان من"اختراع"أشكال رقمية تختلف عن الأبجدية.
والهنود أيضًا كانوا يستخدمون أشكالًا خاصة بالأرقام ليست على الشكل المتداول حاليًا في الشرق أو الغرب، ومن المؤكد أن الهنود لم يكن لديهم قبل الخوارزمي نظام عشري بل أرقام تسعة. والمصطلح الهندي سونيا) وهو التعبير عن"المكان الفارغ"o) لم تكن له أي دلالة رقمية تدخل في نسيج نظام عددي خاص بالهند، فإذا كانوا قد عرفوا رمزًا خاصًا بالخانة الفارغة فلا ينبغي أن نفهم من ذلك على الإطلاق أنهم أسهموا في تأسيس النظام العشري تحديدًا. فشعب المايا قد عرف الصفر بكل معانيه الجليلة ولكن نظامهم العددي لم يكن نظامًا متكاملًا كما هو عليه النظام العشري المعروف الذي أوجده العرب. فإذا كان ثابتًا أن الهند قد أوجدت الأشكال الرقمية التسعة قبل محمد بن موسى الخوارزمي إلا أن المشكوك فيه معرفة علماء الهند بتطبيقات أي نوع للنظام العشري.
والخلاصة: إن العرب استلهموا- والخوارزمي تحديدًا- النهج الهندي في تمثيل الأرقام ولكنهم أسهموا في تأسيس وبلورة نظام عدّ عشري خالص بدءًا من القرن الثالث الهجري- التاسع الميلادي.