والتنوين عبارة عن نون ساكنة تلحق آخر الاسم لفظًا لا كتابة. وهذا هو التعريف الذي اتفق عليه النحاة مع اختلافات لفظية بسيطة. أما علماء الأصوات فالتنوين عندهم عبارة عن حركة قصيرة بعدها نون (20) ، وهم يشيرون-بذلك- إلى أن مثل هذه الظاهرة أي الحركة والنون معًا) خاضعة لنظام المقاطع.
ولقد كان للمستشرق الألماني برجشتراسر )) Bergestrasser رأي آخر بخصوص ظاهرة التنوين هذه، فهو يرى أن التنوين أصله ميم كما كان في الأكدية والسبئية مثل بيت Baitun بيت Baitin، بيتا Baitan، أصلها بيتمُ Bitum، وبيتِم Bitam، وبيتَم Baitam وكلمة إن )) فإنها في العبرية im... )) . (21)
وبعد أن يذكر كثيرًا من الكلمات التي أصل التنوين فيها ميم، وبعد أن يستعرض كثيرًا من آراء نحاة العربية ولغوييها، يخلص إلى القول بأن أكثر ضلالات النحويين واللغويين القدماء نشأ عن جهلهم باللغات السامية )) . (22)
المهم هو أن التنوين الذي هو ظاهرة صوتية يلعب دورًا دلاليًا فعالًا. فهو يقوم نحويًا بما نستطيع أن نسميه الاختزال التركيب )) . (23) أي أنه يأتي بديلًا عن حرف، أو كلمة، أو جملة.
فمن الأول ما نلاحظه في الأسماء الممنوعة من الصرف المعتلة الآخر، وذلك في مثل: غواش، وجوار، ودواع، ونواه، وقد جاء التنوين هنا بديلًا عن حرف الياء. (24)
ومن الثاني ما نجده بعد لفظتي كل )) أو بعض )) ، إذ يؤتى بالتنوين ويحذف المضاف إليه، وذلك في مثل: كُلُّ هالكٌ )) ، فإن المراد من هذه الجملة يكون مساويًا للمراد من جملة كل إنسان هالك )) (25) . وكذلك في مثل: ظهرت نتيجة امتحان الطلبة فبعضٌ ناجحٌ وبعضٌ راسب )) ، أي: فبعض الطلبة ناجح وبعضهم راسب. نلاحظ في هذين المثالين أن التنوين الذي لحق كلًا من كل )) وبعض )) قد جاء بديلًا عن كلمتي إنسان )) والطلبة )) . (25)