والقرآن واحدٌ موحِّدٌ، يبرئ مريم وابنها من الإثم ومن الشيطان الرجيم. ومحمد نبيٌّ صادق أَمين وهو المُبَشَّرُ به، وهو خاتم الأنبياء، وليس بعده إلاّ الأولياء والمقرّبون.
ولم يقل محمدٌ عن نفسه شيئًا سوى أنه عبدٌ مُرسَلٌ يُوحى إليه، اقترب من الحظيرة الإلهية وبقي عند الأعتاب، فلم يدّعِ الاتحاد والحلول، بينما تجاوزها الحلاّج فتجاوز بذلك الحدود المشروعة فقُتِل بسَيْف الشريعة وصُلِب...
ويرى ماسينيون أن محمدًا هاجر في سبيل الله، كما هاجر من قبلُ إبراهيم وزوجُه هاجر وابنه إسماعيل.
حمل ماسينيون على عاتقه قضية التقريب بين الإسلام والمسيحيّة، وهو الوحيد في ذلك بين المستشرقين المسيحيين. وجمع بين مسيحيّته العميقة كرجل دين وبين تقديره للإسلام، ووجد في دراسة التصوف الإسلامي خير طريق لاكتشاف التقارب والتشابه بين الدينين. كما وَجَد أن إبراز شخصية الحلاج الصوفي المسلم الشهيد خير ما يؤصّل المسيحيّة في الإسلام.
وكلُّ المستشرقين درسوا التصوف الإسلامي من الخارج، أما ماسينيون فقد درسه من الداخل أي من خلال تجربته المسيحية- الإسلامية وقناعاته الخاصة وتعاطفه مع الحلاج القائل بوحدة الشهود، وأول من قال في الإسلام:"أنا الحقّ". وهذا ما سما به إلى أعلى مستويات القداسة والولاية ثم ختم حياته بالشهادة.
إن ماسينيون رأى في الحلاج شبيهًا له، كرجل مسيحي له تجربته الصوفية التي وجد فيها ذاته وتعاطف من خلالها مع البشرية المعذبة، كما فعل الحلاج الذي وصل إلى الحقيقة بطريقة المجاهدة النفسيّة والفناء.
وهكذا يقرر ماسينيون أن التصوف مجاهدةٌ ومعاناة واستبطان قبل كل شيء. وهو يوافق المستشرق مرغوليوث MARGOLIOUTH بأنّ في القرآن أسسًا صالحة لمنهج صوفي أصيل، بعيد عن التأثيرات الأجنبية.