وملاحظتنا الأخيرة السابقة هي التي قادتنا إلى التوقف عند الظاهرة التعاطفية في منهج ابن أبي أصيبعة، فهو عندما يرى الباحثين مختلفين حول أمر من الأمور أو يجد أن الأمر يحتمل الاجتهاد يميل إلى تبني الاجتهاد الإيجابي الذي يعطي لمترجمه صورة مقبولة في نظر قرائه، ويسمح بتقريب العقول بعضها إلى بعض، ويجعل نظرات الماضين معقولة في نظر اللاحقين. وقد رأينا يعتقد في أسقولاب أنه رجل صالح موهوب ملهم وليس إلهًا للطب وهو بذلك قد عاد إلى أصل هذه الشخصية التي أدت المبالغة في شأنها إلى تكون المعتقد الأسطوري عنها، كما عبر عن تقدير القدماء لها بلغة التقدير التي يعرفها أبناء عصره فاستأنسوا بدلًا من أن ينفروا. وقد ذكر أثناء البحث عددًا من آلهة يونان وأبطالها مثل زوس وديونيزوس وديمترا وهيبًا يستوس وهرقل واعتبرهم جميعًا- كما يرجح أن يكونوا عليه في الأصل- أناسًا نابهين تمتعوا بالمواهب وقدموا العطاء.
وينظر صاحب العيون بعين الفهم إلى الفن الإغريقي القديم فأجزاء صورة أسقولاب المرسومة أو المنحوتة لم تأت عبثًا بل عن حكمة رمزية تناسب ما اشتهر به مؤسس الطب فكأنه يريد أن يقنع الناطقين بلغته أن أبناء الحضارات الأخرى يفكرون ويجتهدون ويحاولون أن يعملوا بمقتضى الحكمة ومن المناسب للمرء أن يطلع على محاولاتهم ويتفهمها ويقدرها حق قدرها.