إن صورة المتصوف التي تلتصق بالقاضي من خلال هذه الأوصاف تحيل القارئ على السياق التاريخي الذي كان يكتنف الناظم والذي أملى عليه هذا الضرب من الوصف الذي نعجب فيه من عدم التورع من خلط الذكورة بالأنوثة في مقام واحد. وكأن الحسن والملاحة تُحلاّن وحدهما الجمع بينهما. ثم إن التعبير الذي يتأرجح بين الحلال والحرام، والنساء والرجال، والميلان مع الهوى إلى هنا وهناك. يجعل القارئ الذي يتخطى أحوال المتصوفة في حيرة من أمره. لأن مثل هذه الأقوال لا يمكن حملها على ظاهر دلالتها، وإلا أوحت للقارئ بصورة الصوفي الذي يتذرع التصوف، وهو يحمل في طوية نفسه أخبث المشاعر، وأقبح السلوك. يقص الشعراني في طبقاته كرامات سيده علي وحيش معقبًا على ذكر كل كرامة بقوله: رضي الله عنه:"كان الشيخ رضي الله عنه يقيم عندنا في خان الخطا، وكان كل من خرج، (أي بعد اقتراف الجريمة الباغية) يقول له: قف، حتى أشفع فيك، قبل أن تخرج، فيشفع فيه" (13) . الأمر الذي يحيل مثل هذه الصفات إلى قراءة تستكشف المعتقد الصوفي في باطنه، وتتحرى المراد الخفي وراء الجمع بين الحلال والحرام.
هوامش:
(1) تاريخ آداب العرب مصطفى صادق الرافعي. ج3 ص: 29. دار الكتاب العربي بيروت ط1393. 2/1974م.
(2) م.س.ص:28
(3) ما الأدب؟ جان بول سارتر (ت) محمد غنيمي هلال. ص47. دار العودة بيروت.
(4) النقد الفني جيروم ستولنيتر (ت) إبراهيم زكريا. الهيئة المصرية العامة للكتاب ص:
(5) دليل الدراسات الأسلوبية جوزيف ميشال شريم ص:16 المؤسسة العربية التوزيع والنشر. بيروت
(6) وجه الغلاف
(7) ص: 2 من الكتاب [قلنا: المقّري هذا، بفتح الميم وتشديد القاف المفتوحة، نسبته إلى مَقّرة، من قرى تلمسان غربيّ الجزائر اليوم، ولم يكن أندلسيًا، خلافًا لمن يظنه كذلك. وهو صاحب الكتاب المشهور:"ونفح الطيب.."توفي سنة 1041هـ - هيئة التحرير]
(8) المزدوجة ص:2
(9) المزدوجة ص:2