فهرس الكتاب

الصفحة 17819 من 23694

إن الالتفات إلى الرجز من حيث سهولة النظم، وطبيعة الموضوعات التي عالجها، يكشف عن سعة في احتمال الهاجس القصصي. ذلك أن الرجز:"يكاد يكون منفصلًا عن الشعر من حيث الارتباط بينه وبين وزنه ومعناه، فهم يرسلونه كلامًا كالكلام، ولكنه أخص ما يكون فيما يؤلف بين حركات البدن وحركات النفس، فكانوا يتراجزون على أفواه القلُب وفي بطون الطرق، وعند مجاثاة الخصم، وساعة المشاولة، وفي نفس المجادلة، ونحو ذلك" (1) فالانفصال الجزئي عن الشعر يُخفف عن الرجز ثقل الالتزام بالقواعد الشعرية المقررة، ويقرب الشقة بينه وبين الكلام العادي، بيد أنه يرفعه عن استرسال الكلام الطلق. الأمر الذي يكسبه أدبيته الخاصة التي تجعل منه ضربًا خاصًا من بين أضرب القول الشعري. والجديد في الرجز هو الحركة التي تسكنه والتي تجعل البدن متممًا للحركة القولية اهتزازًا وطربًا، كما أنه يجعل الحركة النفسية استمرارًا للانفعال الناشئ عن الأداء اللفظي. وكأن الرجز ضرب من القول تتعدى وظيفته الإبلاغ المعتاد إلى لون من المطارحة التي تعتد فيها الذات بما لها من تميز وخصوصية. لذلك كان الرجز للمجاثاة والمشاولة والمجادلة أهون سبيل لنقل الانفعالات المباشرة إلى المُتلقي، وقد اكتسب ثوب الإخراج الفني الذي يرفعها إلى مرتبة الشعر. وليس يهوّن من شأن الرجز أن سماه بعض المتأخرين بحمار الشعر (2) ، فتلك سمة اكتسبها من السهولة والسيولة التي ترافقه والتي تسمح له بإجراء عدد من الزحافات والعلل ما يمكنه من التسلل بين إكراهات العروض والقافية. فإن كان قد سهل بناءَ ونظمًا، فإنه لا يسهل أبدًا فكرة ومضمونًا. ما دامت الفكرة التي يقوم عليها الرجز هي عين الأفكار التي يقوم عليها الشعر في عموده المعتاد. وليست سهولة النظم بمُحِلّة لسهولة الفكرة، وخاصة إذا كان الرجز حاملًا لسرد قصصي، يلتزم صاحبه بقص الحكاية من مبتدئها إلى منتهاها، ماسكًا بعناصر التشويق بين ألفاظه ومعانيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت