لقد حدث هذا التنافر والتفاوت بين بعض الشعوب والمنهج العلمي، على الرغم من أن بعضًا من هذا البعض كان قد حمل شعلة العلم لفترة من الزمن وأزكاها. ويرى هاف أن ذلك يشجعه على اعتبار (ص21) "أن إمكانية وصول العلم الحديث إلى ما وصل إليه في الغرب، إنما هو محصلة تعاون فريد بين العوامل الفكرية والمؤسسات، وإن كانت هذه بطبيعتها لا صلة لها بالعلم. أو بتعبير آخر، إن لغز نجاح العلم في الغرب، وإخفاقه في الحضارات غير الغربية، إنما يُفسَّر بدراسة مجالات ثقافية غير علمية، كالقانون والدين والفلسفة واللاهوت، وغير ذلك. ففي هذه المجالات البعيدة نسبيًا عن العلم (ص22) ."يتأمل الإنسان في طبيعة الكون بأعمق معانيه وأكثرها غيبية. وحيث شكَّلَ الخيال الإنساني المؤسسات التي تسمح للأفراد بأن يستمتعوا دومًا"بالفضاء المحايد والمتحرر من غارات الرقابة الدينية والسياسية....".
وهكذا، يضعنا المؤلف إذن في مجال غير مجال العلم (الذي يبدو أنه غير مطلع عليه بما يكفي. أو ربما يتهرب من تهمة يخشاها) لكي يناقش أمورًا تتعلق بالعلم. وأرجو المعذرة سلفًا، لأنني سأبيِّن ذلك فيما بعد. أو ربما كان هدف المؤلف شيئًا آخر، بمعنى أنه يكتب عن العلم في الإسلام لينتقد الإسلام، وليرى فيه ضمنًا لا عقلانية لا تتوافر بحسب رأيه إلا في اللاهوت المسيحي (ج2 ص 229) ، والذي لا يتضمن في رأيه"أبعادًا إنسانية انفردت بها الثقافة الغربية." (ص22ج1) .
إن هذه المقتبسات تلخص نظرة المؤلف إلى الأسباب الكامنة وراء انبثاق فجر العلم الحديث، وهو يكررها باستمرار. وكنت أتمنى، وأنا أقرأ الكتاب، أن يورد شاهدًا على صحة أقواله عن الإسلام وعن العلم في الإسلام. وقد كرر ذكر ابن الشاطر أكثر من مرة، كما ذكر ابن الهيثم وغيره، ولكنه لم يوضح أين كانت العقبة التي حالت دون وصول هؤلاء العلماء المسلمين إلى اكتشاف المنهج العلمي؟ وما هي أسباب ظهور هذه العقبة؟.