فهرس الكتاب

الصفحة 17681 من 23694

أكثر الشعراء المماليك من الاعتماد على شتى صنوف البديع. معتقدين أنهم يجددون، وأن الإغراق في الصنعة دليل على التقدم والشاعرية، فتسابقوا في إكساء أشعارهم ثيابًا من الصنعة المختلفة، لعل من أهمها التورية، يساندهم في ذلك نقاد عصرهم الكبار، الذين رأوا التورية مقياسًا للشاعرية والفحولة. فما التورية، وما أهميتها في الشعر؟ التورية"مصدر وَرَّيْتُ الخبرَ توريةً إذا سترتُه وأظهرت غيره"، كأن المتكلم يجعله وراءه بحيث لا يظهر،"وهي في الاصطلاح أن يذكر المتكلم لفظًا مفردًا له معنيان حقيقيان، أو حقيقة ومجاز، أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة، والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية، فيريد المتكلم المعنى البعيد، ويُوَرّي عنه بالمعنى القريب، فيتوهم السامع أول وهلة أنه يريد القريب، وليس كذلك" (89) . فالتورية بهذا التعريف امتحانٌ عقليٌّ للسامع، لذا سميت أيضًا (الإيهام) لأن المتكلم يوهم السامع بشيء ويريد شيئًا آخر.

وتكمن أهمية التورية في تحويل ذهن السامع إلى معنى آخر بعيد، قد يكون في ذكره إحراج للشاعر، أو مَجْلَبةٌ للأذى. لذا كانت التورية سلاحًا ماضيًا في التنفيس عما في صدور الشعراء تجاه حكامهم الظالمين، لكنها فقدت كثيرًا من هذه الأهمية عندما استخدموها في التحامق، فغدت مجالًا خصبًا للتعبير عن سخرياتهم من أنفسهم، ففقدت بذلك وظيفتها الأساسية في حماية الشاعر من الظلم والإحراج، ولم تعد وسيلة تساعده في قول ما يريد، بل صارت غاية في نفسها، وامتحانًا للذهن، وكَدًّا للعقل.

من تلك التوريات التي قيلت على سبيل التحامق قول الشاعر ابن دانيال يشبه نفسه بالكلب، مادام هذا التشبيه سيجلب له الطعام، فقال يخاطب ممدوحه (90) :

دعوتَني للعُرْسِ يا سيدي

وها أنا الليلةَ في دارِكم ... فالكلبُ لا يهرُبُ من (عِرْس)

والتورية في كلمة (عِرْس) ، يريد بها ابن عِرْس، وهي"دُوَيْبَّة كالفأرة تفتك بالدجاج ... واضَيْعَتي فيهم وإفلاسي"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت