يظهر الرافعي في تناوله لموضوع المرأة بأسلوبين، الأول يتكلم فيه على المرأة الجميلة المعشوقة كلام إعجاب وتقديس يصل بها إلى ما فوق الجمال الإنساني ودون الصفة الإلهية، والثاني ينزل بها إلى المستوى الأرضي على أنها عنصر من عناصر المجتمع. هنا ينبغي أن نفصل بين حياته الفكرية، وبين حياته العملية، أو بين الجانب الفلسفي النظري في التعبير عن الحب، وبين تجربته الذاتية في الحب، ففي الحياة العملية لم يحقق الرافعي صورة المرأة التي طمح إليها، فظلت حلمًا. والتناقض ليس في الجانب الفكري فيه، وإنما في الحياة العملية.
وكأن الرافعي نظّر بفكره المثالي صورة المرأة وما يجب أن تكون عليه في الحقيقة، ثم لما عرض هذا على الواقع رأى أن الكلام النظري يسقط، ذلك أن المرأة الملهمة لم تكن مطابقة لفكره في تجربته الذاتية معها.
إن المرأة- في رأيه- لن تصبح كائنًا على الحقيقة إلا بفضل الحب الذي يعيد خلقها من جديد في قلب عاشقها، فإذا هي"وافقت منه الحب فقد تألّهت في قلب إنسان، وصار لها جنتها ونارها، ومضى منها الأمر وكأنها عند محبها تأسر بقوة قادرة على أن تحيي، وتنهى بقوة قادرة على أن تميت!" (67) . فالرافعي يتحدث عن العلاقة الجدلية بين المحب والمحبوب، فالحب يعيد خلق المرأة، والمرأة تعيد خلق الرجل بالحب وتتأله في قلبه، ولفظ"تألهت"بحسب مفهوم الإنسان عند الرافعي تعني ظهور جوهرها الإلهي الكامن فيها عن طريق النفخة الإلهية.
إن الحب يغير المرأة ويعيد تكوينها من جديد في قلب عاشقها، ولهذا لا تكون المرأة في عين عاشقها كغيرها من النساء"وإنما تخرجها له جملة من الصفات الغريبة التي فيها، لتقابل جملة أخرى من الصفات الغريبة التي فيه..." (68) . وكل ما يصفها به العاشق من فنون الجمال ما هو إلا ما تتوهمه العين البشرية من جلال فوق الحسّ"ويريد الحسّ أن يصل إليه، كأن في العقائد الإنسانية معضلتين: ما وراء الطبيعة وما وراء الحبيبة..." (69) .