إن هذا التنظير ينسجم مع مفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي الذي يغلب الجوهر على العرض، فالحب يتأله، وهذا التأله يدفع الإنسان نحو الكمال الذي هو كنهه، ويكون ذلك بالتحرر من الجسد الترابي للوصول إلى المعرفة الجمالية التي تصل بصاحبها إلى الحقائق الجمالية لمفردات الكون المتصل بالعاشق، لأن العاشق بالأصل جزء من الكون، ومن ثم تكون الألوهية التي عناها الرافعي ألوهية تأثير بين شخصين فقط للعودة إلى الجوهر الأول. وهذا ما يدل على أن الرافعي يعطي الإنسان بعدًا معرفيًا فلسفيًا عن طريق القوى الإلهية الكامنة فيه، تبعًا لعقيدته الدينية.
وللحب عند الرافعي مفهوم متعال قريب من الفكر الصوفي، يجعل المحب يرى في حبيبته خيال ملك، و (( في عينيها صفاء الشريعة السماوية، وفي خديها توقد الفكر الإلهي العظيم، وعلى شفتيها احمرار الشفق الذي يخيل للعاشق دائمًا أن شمس روحه تكاد تمسي ) ).
فتصبح المحبوبة مصدر قوة للمحب، فيطيعها كأنها إرادته، ويستند إليها كأنها قوته، ويعيش بها كأنها روحه (( فذلك هو الذي يشعر بحقيقة الحب، ويفهم معناه السماوي، وهو الذي يقول لك صادقًا مصدوقًا: إن كل لفظة من لغة الطبيعة في تفسير معنى الحب كأنها صلصلة الملك الذي يفاجأ الأنبياء بالوحي في أول العهد بالرسالة ) ) (5) .