فهرس الكتاب

الصفحة 17480 من 23694

وكان مجلس المأمون ساحة واسعة للجدال والمناظرة والاطلاع على ثقافات الأمم وآدابها ومعارفها، وكان مثقفًا ثقافة واسعة عميقة بالعلوم الدينية واللغوية والفلسفية وعلوم الأوائل والشعوب الأخرى، فحوّل مجالسه في دار الخلافة ببغداد إلى ندوات علمية تتناول كل فروع المعرفة. وفي ذلك يقول يحيى بن أكثم:"أمرني المأمون أن أجمع له وجوه الفقهاء وأهل العلم من بغداد، فاخترت له من أعلامهم أربعين رجلًا وأحضرتهم وجلس لهم المأمون فسأل عن مسائل وأفاض في فنون الحديث والعلم"29-. ويمضي ابن أكثم فيقول: إنه لما انتهى ذلك المجلس طلب إليّ المأمون أنْ أنّوع مجالسه بحيث تكون لكل طائفة من العلماء مجلس. ويعرض طيفور في كتابه"بغداد"كثيرًا من هذه المجالس وماطرح فيها من موضوعات مختلفة للجدل والمناظرة. ويصوّر المسعودي ماعاد على الحركة العلمية من هذه الندوات التي غدت كأنها مجمع علمي كبير، فيقول:"قرّب المأمون إليه كثيرًا من الجدليين والنظّارين كأبي الهذيل العلاف وأبي اسحق إبراهيم بن سيار النظام وغيرهما، ممّن وافقهم وخالفهم، وألزم مجالسه الفقهاء وأهل المعرفة من الأدباء وأقدمهم من الأمصار، وأجرى عليهم الأرزاق (الرواتب) ، فرغب الناس في صنعة النظر وتعلمّوا البحث والجدل، ووضع كل فريق منهم كتبًا ينصر فيها مذهبه ويؤيّد بها قوله"30-.

وقد كُفلت الحرية الفكرية في هذه المجالس والندوات أو المجامع إلى أبعد حدود ممكنة، بحيث كان كل رأي يعرض للمناقشة العقلية الخالصة، بما في ذلك آراء الزنادقة، كما يذكر الجاحظ31-. فكلّ شيء يناقش في حرية، وكلّ شيء يعرض على بساط البحث والجدل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت