فنسعد ونستريح من خرافات الفرقة إلي أنا وأنت
وسيأكل الحسد قلوب طيور الفلك، ذات الألوان الباهرة
حينما تشاهدنا نضحك جذلين على تلك الصورة أنا وأنت" [1] "
ولا أظن أن أحدًّا يجادل في سمو هذا الوجد المحرق، بيد أن كثيرين يجادلون في دلالتها. ولا بأس من أن نرجع أيضًا إلى لوعة"جامي"وهو يفصح عن"المشاعر"عينها التي أفصح عنها الرومي دون أن يعني ذلك أنه من أصحاب وحدة الوجود:
"حذار أن تقول:"هو الجميل ونحن عشاقه"فلست إلا المرآة التي تنعكس عليها صورته ويرى فيها وجهه، هو وحده الظاهر وأنت الباطن."
والحب المحض- كالجمال المحض- ليس إلا منه يتجلى لك فيك، فإذا لم تستطع أن تنظر إلى المرآة، فاعلم أنه هو المرآة أيضًا، هو الكنز وهو الخزانة، أما أنا وأنت فلا محل لهما هنالك، تلك أوهام خادعة لاحظ لها من الوجود" [2] ."
وجامي يوضح أن ما في الوجود صور ذات تهاويل بديعة:
"عندما تنفس صبح الأزل عن العشق، نفث العشق نار الشوق في القلم، فاجرى على لوح العدم صورًا جمة ذات تهاويل بديعة" [3]
وهكذا يلوح أن الوجود نفسه صور شعرية رسمها قلم العشق دون أن يكون لها أن تحاط بكيف.
فإذا عدنا الآن إلى ابن عربي قلنا بإيجاز: إن ابن عربي شاعر لا يمكن أن تؤخذ أقواله إلا على أنها شعر نظمه الخيال، وأبدعته الرؤى، وليس ذلك لأنه نظم الشعر في الديوان أو في ترجمان الأشواق، وإنما لأنه"نظم"الفصوص والفتوحات، بل لعله لم يكن شاعرًا مبدعًا في ديوانه أو في ترجمانه بقدر ما كان مبدعًا في فصوصه وفتوحاته الفياضة بالأخيلة والرؤى منذ أن تلقى الفصوص كاملًا من الرسول صلى الله عليه وسلم، كما كتب في الفتوحات ما أملاه عليه الله، إذ ليس في وسع المرء أن يقبل ذلك إلا على أنه رؤيا شاعر فاض به الوجد، واستبد به العشق.
(1) المثنوي: 1/35
(2) في التصوف الإسلامي ص94-95
(3) هلال: د. محمد غنيمي، ليلى والمجنون في الأدبين العربي والفارسي، ص20