فهرس الكتاب

الصفحة 17436 من 23694

على أن نبرات الهيام الصوفي العذب بالوجود الواحد ربما تعالت على نحو أوضح في الشعر الصوفي الفارسي الذي خلصت صوره إلى التغني بالعشق الإلهي تغنيًا تغيب فيه الاثنينية، ولا تظهر إلا الوحدة؛ حتى إذا أردت تحويل نبضات الزمان الحي في هذه الصور إلى مذهب فكري ألفيتَ الأمر عصيًا على القبول، لأن الشاعر نفسه آنئذ ينكر أن يكون ما"أحس"به هو ما"فكر"فيه، وها هوذا جلال الدين الرومي شاعر الصوفية الأكبر يصرخ في سورة من سورات الوجد طالبًا من الله -سبحانه- أن يطل عليه من الشرفة لأن في خده الجميل أمارة من الإقبال، وها هوذا يجلس في الإيوان مع الله من دون أنا وأنت، ومع ذلك فليس من اليسير القول إن جلال الدين من أصحاب الوحدة،، لأنه يفصح عن خلاف ذلك في المثنوي، ولأن الخيال المحلق الذي يرى الجمال الإلهي متجليًا على شرفة الوجود، أو يجالس الله في الإيوان، ليس له أن يتحول إلى فكر وفلسفة، ولم يكن الفن أبدًا عقيدة أو مذهبًا.

يقول جلال الدين الرومي:

"هذه الدار التي لا تفتر فيها الألحان، سل ربها أي دار هذه!؟"

إن كانت الكعبة فما صورة الصنم هذه؟ وإن كانت دير المجوس فما هذا النور الإلهي؟

أيها السيد! أطل علينا من الشرفة، فإن في خدك الجميل أمارةً من الإقبال.

أقسم بروحك أن ما عدا رؤية وجهك، ولو كان ملك العالم، خيال وخرافة

تحير البستان أي ورق وأي زهر! وولهت الطير أي شبك وأي حب

هذا سيد الفلك كالزهرة والقمر، وهذي دار العشق لا حد لها ولا نهاية" [1] "

ويقول:

"ما أسعد تلك اللحظة حين نجلس في الإيوان أنا وأنت!"

نبدو نقشين وصورتين ولكننا روح واحدة أنا وأنت.

إن لون البستان وشدو الطيور يهبنا ماء الحياة

في تلك اللحظة التي نذهب فيها إلى البستان أنا وأنت

أنا وأنت بدون أنا وأنت نبلغ بالذوق غاية الاتحاد.

(1) الرومي: جلال الدين: المثنوي، ترجمة د. كفافي، المكتبة العصرية، صيدا- بيروت 1/30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت