وأما التابع فتنكشف له حقيقة الوجود انكشافًا ذوقيًا لا يتطرق إليه شك. ومرشد الفيلسوف في معراجه"العقل"ممثلًا في عقول الأفلاك التي يلتقي بها واحدًا إثر واحد، ومرشد التابع"الوحي"ممثلًا في أرواح الأنبياء الذين يلقاهم فيفضي كل منهم إليه بشيء من تعاليمه الباطنية، فموسى مثلًا يتحدث إلى التابع عن وحدة الأديان، ويوسف يتحدث عن الجمال المطلق وصور الجمال المقيد، وآدم يتحدث عن العلية والخلافة الروحية ... ولكل واحدة من هذه المسائل نظيرها في (فصوص الحكم) الذي قسمه ابن عربي إلى سبعة وعشرين فصلًا يعالج في كل فصل منها حكمة من الحكم، أي جزءًا أو جانبًا من جوانب مذهبه، وينسب كل حكمة إلى نبي من الأنبياء.
وفي هذه الفصوص يقرر ابن عربي أصول مذهبه في وحدة الوجود، وفي العلاقة بين الحق والخلق، وحقيقة الذات الإلهية، والتنزيه والتشبيه، ومعنى الحرية الإنسانية، ومسألة القضاء والقدر. إلى غير ذلك من الأمور التي اكتملت صورها في ذهن ابن عربي فعرضها عرضًا محكمًا لا يعتريه تشتت ولا يخل به استطراد.
ولقد تجرد لتحقيق هذا الكتاب وشرح معانيه وكشف غوامضه والإبانة عن مذهب مؤلفه واحد من أبرز المشتغلين في الفلسفة الصوفية في هذا العصر هو الدكتور أبو العلا عفيفي الذي بلغ في عمله هذا مبلغ العالم المحايد والمحقق المنصف، فأغنى بذلك المكتبة الإسلامية العربية، ووضع لبنة جديدة في صرحها الشامخ [1] .
أما كتاب (الفتوحات المكية) فهو أوسع كتب الشيخ مادة وأكثرها شهرة وأحواها لعلوم ابن عربي ومعارفه وآرائه وكشوفه، ففيه بغية كل مجتهد في الشريعة، أو مفسر للقرآن، أو شارح للأحاديث النبوية، أو متكلم، أو محدث، أو لغوي، أو مقرئ، أو معبر للمنامات، أو عالم بالطبيعة وصنعة الطب، أو عالم بالهندسة، أو نحوي، أو منطقي، أو صوفي، أو عالم بعلم حضرات الأسماء الإلهية، أو عالم بعلم الحروف.
(1) صدر عام 1946م.