كان هذا في الشطر الأول من حياته، وهو الشطر الذي قضاه في الأندلس وبلاد المغرب، وقضى جزءًا منه في بلاد المشرق، إلا أنه لم يحاول آنذاك أن يضع مؤلفًا واحدًا عامًا يضم عناصر مذهبه في الفلسفة الصوفية، وإن كان يبدو من كثير من مؤلفاته السالفة الذكر أن هذه العناصر كانت في طريقها إلى التجمع والترتيب في ذهنه.
أما الشطر الثاني من حياته وهو الذي قضى معظمه في دمشق وبعضه في مكة، فقد ظهر فيه إنتاجه الناضج الخصب في ميدان التصوف بوجه خاص، وفيه وضع كتابه (فصوص الحكم) الذي يمثل خلاصة مذهب ظل يعتمل في نفسه نحوًا من أربعين عامًا، وهو لا يجرؤ على إعلانه والجهر به في جملته ولا يخرجه في صورة كاملة، فلما ظهر (الفصوص) سنة 627هـ أذهل المسلمين وأثار في نفوسهم الحيرة والشك، كما أثار الإعجاب والتقدير.
ولم يكن ظهور الفصوص على هذه الدرجة من النضج الفكري والتأليفي مجرد مصادفة أو طفرة لم يسبق لها تمهيد، فقد مهد للأفكار الرئيسية فيه في أكثر من كتاب كما أسلفنا، ولكن أعظم تمهيد له كان في كتابه (الفتوحات المكية) الذي نرى فيه بذور هذه الأفكار التي تعهد إنماءها وإنضاجها في الفصوص، وأظهر ما يكون ذلك في الباب الذي عقده في الجزء الثاني من الفتوحات في معراج"التابع"و"الفيلسوف".
والتابع هنا هو الصوفي المسلم الوارث للعلم الباطن عن النبي صلى الله عليه وسلم، والفيلسوف هو صاحب النظر، فالفيلسوف لا يظفر في معراجه إلا بالعلم بمظاهر الحقيقة، ولا ينتهي إلا بالحيرة والخيبة.