"ولا تقل الفصوص عنها (أي عن الفتوحات المكيّة) من حيث عِظمُ الأهمّية، وهي مؤلّف صغير من سبعة وعشرين فصًّا أُطلِق على كل واحدٍ منها اسمُ نبيّ، وقد غدت موضع شروح عدّة في العربية والتركيّة والفارسية".
وممّا هو جدير بالقول والتنويه أن ابن عربيّ لم يكن يكتب بدافع التأليف والتصنيف وإنّما كان يكتب وهو رازح تحت وطأة قوّة خارقة كانت تلحّ عليه وتحمله على ذلك حملًا وقد وصف لنا هذا بقوله:
"إنه كان يرِد عليَّ من الحقّ مواردُ تكاد تحرقني فكنتُ أتشاغل عنها بتقييد ما يمكن منها، فَخَرجَتْ مخْرَجَ التأليف لا من حيث القصدُ".
كان ابن عربي -في الحق- ذا شخصية متعدّدة الجوانب والمواهب، فهو متصوّف وفيلسوف وشاعر، وكان ذا مسلكين في الحياة، فهو رصين تقيّ أمام الناس مرح متساهل أمام أنداده وأصحابه. وكان -كما قال المقّري-"ظاهريّ المذهب في العبادات، باطنيّ النظر في الاعتقادات". ومع أنه كان ظاهريًا فقد نفى أن يكون تابعًا لابن حزم أو سواه:
لست ممّن يقول"قال ابنُ حزمِ"
"قال نصُّ الكتاب".. ذلك علمي ... لا، ولا غيرُه، فإنّ مقالي:
الخَلْقُ على ما أقولُ"ذلك حُكمي ... أو"يقولُ الرسول"أو"أَجَمَع
وهو -مع تمسّكه بفرائض الإسلام وعقائده -يتّخذ الكشف الصوفي أو"النور الباطني"رائدًا له ومصدرًا أوحد في المعرفة. ... يا خالق الأشياء في نفسه
وقد اختلف الناس في عقيدته، وفي الحكم عليه، أشدّ الاختلاف، فبعضُهم رفعه إلى عِلّيين، وبعضهم وضعه مع الزنادقة والملحدين، يقول ابن العماد:
"وقد تفرّق الناسُ في شأنه شيعًا، وسلكوا في أمره طرائق قددًا، فذهبت طائفة إلى أنّه زنديق لا صِدّيق، وقال قوم: إنه واسطة عِقد الأولياء ورئيس الأصفياء، وصار آخرون إلى اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كُتُبه".