هذا وليست المحاكاة لأصوات الطبيعة في التعبير عند البشر محاكاة آلية. فقد دل العلم أن للإنسان من القدرة الفطرية ما يجعله يصوغ مقاطع لغته في مشاكله للمسموع، وفي إبداع من الذات. وذهب العالم (نوام تشومسكي) المولود عام 1929 أن الطفل لا تنمو مهارته اللغوية بمحض مواءمته لما يقع في سمعه حسًا وجرسًا، كما يتفق للببغاء في حكاية ما يقرع أذنها ويمر بسمعها، وإنما يعتمد في ذلك على كفايته اللغوية الفطرية. إذ يولد الإنسان ولديه من القدرة ما يتيح له أن يتلقى اللغة ويؤلف بناها مقاطع وكلمات وجملا وتعابير يلتزم فيها أصولًا وضوابط تدرها طاقته اللغوية المبدعة. وهكذا تتعدد في اللغة الواحدة الألفاظ الدالة على حكاية الصوت الواحدة، كما تختلف هذه الحكاية بين لغة وأخرى متقاربة حينًا متباعدة حينًا آخر. فقد حاكت العربية صوت القطع في الطبيعة مثلًا فجاء فيها (قد وقط وبتّ وحزّ وجزّ وجذّ وجدّ) كله بمعنى القطع. وقد يكون بعضها مخصوصًا بنوع من القطع، أو يكون قد آل إلى ما آل إليه بقلب أو إبدال. وحاكت الفرنسية هذا الصوت فجاء فيها (كوبى Couper) بالباء الفارسية، وحكت الإنكليزية ذلك فجأة فيها (كت Cut) .
ودلت العربية على الهدم بـ (دك) ودلت الإنكليزية بما يشبه هذا اللفظ (Dig) على الحفر، بكاف فارسية ودال مكسورة. وقد جاء أحمد فارس الشدياق بمثل هذه الأمثلة في (سر الليال) وقال: (ومنهم من توهم تمزيق الثوب يحكي - هَت- فتوهمها الإنكليز لصوت اللطم أو الضرب فقالوا - هت Hit- ومنهم من توهم صوت القطع يحكي - ترّ وطرّ - فتوهمه أولئك- أي الإنكليز- لصوت القطع فقالوا- تير Tear - وتوهمه الفرنسيين لصوت الجذب) . وأردف: (ومن مجانس هذا اللفظ التيار بتشديد الياء فتوهمته العرب للموج الذي ينضح. وتوهم الفرنسيين لفظ - تُرّان Torrent للسيل بتشديد الراء، وفي الإنكليزية: ترنت Torrent) .