ولاحظ اللغويون العرب القدامى اختلاف لهجات القبائل المؤدي إلى الاختلاف اللفظي وما يتبعه من اختلاف معنوي، فممّن ألف في لغات القبائل يونس بن حبيب (ت 182هـ) ، وأبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني (ت 206هـ) ، والفرّاء (ت 207هـ) ، وميّزوا الصحيح من الدخيل أو المعرّب، وكان ممن ألف فيه الجواليقي (ت540هـ) والخفاجي (1069هـ) (3) ، ودرسوا مسائل الترادف والأضداد والمشترك، وألفوا فيها كتبًا، وعالجوا العلاقة بين الدال والمدلول، والحقيقة والمجاز والمهمل والمستعمل والعام والخاص (4) .
وكتبوا عن المجاز في القرآن، ومعاني الغريب فيه، وألّفوا في الوجوه والنظائر في القرآن، وغير ذلك من الأمثلة التي تنتمي إلى المباحث الدلالية وتعتبر جميعها بدايات للتأليف المعجمي عند العرب.
وسارت العناية باللغة على سبيلين متوازيين:
-أوّلهما اهتمّ بتركيب الجملة أي بوضع الكلمة في الجمل، وكان ذلك من اهتمام النحويين.
-وثانيهما اهتم بالكلمة في حدّ ذاتها، ففهموا أنَّ العناية باللغة تعني البحث في الكلمة ودلالتها، ويتّضح هذا الفهم ممّا قاله أبو الطيب اللغوي في تصنيفه لبعض علماء اللغة من حيث درجة الاجتهاد:"كان أبو زيد أحفظ الناس للغة، وكان الأصمعي يجيب في ثلث اللغة، وكان أبو عبيدة يجيب في نصفها، وكان أبو مالك يجيب في كلها" (5) .
وأوضح القدماء أنّ بين الأصوات وما تعبّر عنه مناسبة دلالية فيما أسماه. ابن جني بـ"باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني"حيث قال:"قال الخليل: كأنهم توهّموا في صوت الجندب استطالة ومدًّا، فقالوا: صرّ، وتوهّموا في صوت البازي تقطيعًا، فقالوا: صرصر" (1) .