وأَرى الجِبالَ الشُّمَّ أَمسَتْ خَشَّعًا ... لَمُصابِها وتَزَعْزَع الثَّقَلانِ30-
ويختم قصيدته بالتساؤل عما إذا كان في الإمكان أن تعود القيروان إلى سابق مجدها وعزّها ولكن كيف السّبيل إلى ذلك، بعدما لعب الزّمان بأهلها، وسلبتها الأيام حسنها وجمالها؟ فيقول: ... تقضي لنا بتَواصُلٍ وتَدانِ؟
أترى اللّيالي بعدما صنَعَتْ بنا
وتُعبدُ أرضَ القيروانِ كعَهدْهِا ... فيما مضى مِن سالِفِ الأزمانِ
أمسَتْ وقد لَعِبَ الزّمانُ بأهلِها ... وتقَطَّعتْ بِهِمُ عُرَى الأَقْرانِ
فتفَرَّقوا أَيْدِي سَبًا وتَشتَّتوا ... بَعْد اجتماعِهِمُ على الأَوْطانِ31-
كانت هذه مقتطفات من نونية ابن رشيق في بكاء القيروان، وهي قصيدة طويلة تبلغ خمسة وخمسين بيتًا، وقد صوّر لنا فيها الشاعر النكبة تصويرًا دقيقًا، كما وصف حال المدينة في أيّام عزّها ومجدها وما آلت إليه بعد اقتحامها، جاء كل ذلك بأسلوب عربي مبين، على الرغم مما تسرّب إليه من جمل مضطربة ركيكة أحيانًا، أمّا عاطفته فصادقة لأنّه من أهل المدينة الذين شُردوا وأُبعدوا عن ديارهم فجاءت عاطفته حزينة لأن قلبه يقطر ألمًا وأسى على ما حلّ بمدينته الجميلة من دمار وخراب ... ... عن فؤادٍ بجاحِمِ الحُزْنِ يَصْلَى
أمّا ابن شرف القيرواني (390-460هـ) صديق ابن رشيق السّالف الذّكر، فقد بكى مدينته هو الآخر بشعر رقيق، يدّل على امتلاكه لموهبة شعرية، وقدرة فنية على قول الشعر وخوض غماره في مهارة وبراعة، ومما وصلنا من شعره في بكاء القيروان، قصيدته اللاّمية التي يصف فيها جالية القيروان بمدينة سوسة، وما أصابها من مهانة واحتقار، إثر فرارهم بعد نكبة مدينتهم، يقول:
آهِ لِلْقَيروانِ! أَنَّةَ شَجْرٍ
حين عادتْ به الديارُ قُبُورًا ... بل أقول: الدّيارُ منهنَّ أَخْلَى
ثُمَّ لا شمعةٌ سِوَى أنجمٍ تخـ ... طوا على أُفْقِها نَواعِسَ كَسْلَى