يعترض هذا البحث إلى رثاء المدن في الشعر العربي، في المشرق والأندلس، قبل نكبة القيروان، وحاول أن يقدّم صورة عن بكاء القيروان في الشعر المغربي، من خلال شعر أربعة شعراء قيروانيين، هم:
1-ابن رشيق المسيلي القيرواني0-2 وابن شرف القيروان3- وأبو الحسن الحصري القيرواني4- وعبد الكريم بن فضال القيرواني الخصائص العامة في شعر هؤلاء الشعراء
1-لمحة عن بكاء المدن في الشعر العربي قبل نكبة القيروان
أ-في المشرق: بكاء المدن في الشعر، هو باب من الرثاء، عرفه شعراء المشرق، إلا أنهم لم يبلغوا فيه شأن المغاربة والأندلسيين، الذين كانوا فيه أكثر روعة، ولعل ذلك يعود لكون خراب المدائن، وزوال الدول تباعًا، إنما وقع بكثرة في المغرب العربي، ولاسيما في الأندلس فقد أحزنهم أن يروا مدنهم تسقط مدينة إثر مدينة في أيدي الغزاة المكتسحين، فبكوها بقصائد ومقطعات، خلدها لنا التاريخ في مصادره المختلفة: وأول ما وصلنا من الشعر المشرقي في بكاء المدن، هذه المقطوعة للشاعر عمرو بن عبد الملك الوراق الذي بكى فيها بغداد أثناء الفتنة بين الأمين والمأمون سنة سبع وتسعين ومائة للهجرة"197هـ،812م"حين حاصرها طاهر بن الحسين قائد جيش المأمون، ودام الحصار سنة واشتد البلاء وعظم الخطب5 وكثر الحريق والهدم ببغداد، ودرست محاسنها، فاستحالت إلى أطلال، وتنقّل الناس من مكان إلى مكان هربًا من الجحيم6 ونظر الشعراء إلى مدينتهم الجميلة -بغداد، فرأوا ما نزل بها في صنوف التدمير والتخريب، فندبوها بشعرهم، وممّن بكاها عمرو بن عبد الملك الوراق، إذ ردّ ما أصابها إلى العين فقال:
من ذا أصابكِ يا بَغْدادُ بالعَيْنِ
ألم يكن فيكِ قومٌ كان قربُهمُ ... وكان مسكَنُهم زَيْنًا مِن الزَّيْنِ؟
صاحَ الغُرابُ بهم بالبَيْن فافترقوا ... ماذا لَقِيت بهم من لَوْعة البَيْنِ؟
أَسْتَوْدِعُ اللهَ قومًا ما ذكرتُهُمُ ... إلا تحدَّرَ ماءُ الدَّمْعِ من عيني؟