الهجرة طلبًا للنجاة والعلم وغير ذلك: وهذه من الأركان التي تدرس في علم السكان وتؤثر فيه نقصًا في مكان زيادة في آخر، قال تعالى لمن ضاقت بهم الأرض لسبب ما، محرضًا لهم على الهجرة إلى مكان أنسب لمعيشتهم: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا} 43. وأخبر سبحانه أن موارد الكوكب كثيرة فمن ضاقت به أرض فسيجد في أرض أخرى سعة في العيش: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغَمًا كثيرًا وسعة} 44. والمراغَم: المتسع والخير الوفير،"والسعة هنا في الرزق وإظهار الدين"45. ولا شك أنها سعة في المكان كذلك وإلا لما كان هناك مهجر للمهاجر. وهذا ردّ على غلاة المالتسيين الذين رأوا أن المتوالية الهندسية للسكان لن تُبقى للفرد على الكوكب أكثر من بوصة مربعة. وقد سبق ذكر هذا. كما أن الآية الكريمة تشير إلى عدم التوزيع المتساوي للموارد على الكوكب. فيهاجر الإنسان من أماكن النقص إلى أماكن الزيادة. وهذا مصداق ما حصل من الهجرة الأوربية إلى المستعمرات وقد مرّ. وفي هذا المعنى قال تعالى: {الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم} 46. فموارد الطيعة أرزاق وزعها الله سبحانه في هذا الكوكب بما يقتضيه علم الله وحكمته.
ومن الآيات الدالة أيضًا على أن الأرض خلقت وعاءً مناسبًا للإنسان لا يضيق عليه مع بقاء الموارد وأن من قال خلاف هذا يعتبر مكذبًا قوله تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتًا* أحياءً وأمواتًا* وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتًا* ويل يومئذ للمكذبين} 47 وكفاتًا: وعاء، لكل الناس: الأحياء على ظهرها مع مواردهم من أنهار وغيرها والأموات في باطنها"48."