أما البحتري فقد كان طيف الخيال موضوعًا من موضوعاته الشعرية الأساسية التي أطال الوقوف عندها والتقصي لها، إذ خصه في ديوانه بمئتين وتسعة وتسعين بيتًا [1] ، حتى قال الآمدي في كتابه: (الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري) [2] وهو يذكر طروق الخيال عند هذين الشاعرين:"هذا باب الفضل فيه للبحتري على أبي تمام. وما زلت أسمع الشيوخ من أهل العلم بالشعر يقولون: هذا أشعر الناس وألهجهم بذكر الخيل والخيال، ولم يأت عند أبي تمام فيه إلا أبيات يسيرة". ... أرقٌ يشرد بالخيال الزائر
ثم يعود الآمدي فيقول [3] :"فأما البحتري فإنه أولع بذكر الخيال فقال فيه وأكثر، وأجاد وأبدع، وتصرف في معان لم يأت أحد بمثلها. وقد استفتح قصائد كثيرة بذكر الخيال، لشدة شغفه به، فأحسن في ابتداءاته كلها وزاد على الإحسان".
وقال الشريف المرتضى في أماليه (غرر الفوائد ودرر القلائد) [4] :"ولأبي عبادة البحتري في وصف الخيال الفضل على كل متقدم ومتأخر، فإنه تغلغل في أوصافه، واهتدى من معانيه إلى ما لا يوجد لغيره، وكان مشغوفًا بتكرار القول فيه، لهجًا بإبدائه وإعادته".
ثم عاد المرتضى فكرر هذه الشهادة في كتابه (طيف الخيال) حيث قال [5] :"ولأبي تمام في هذا المعنى التافه اليسير، فإنه ما عني به، ولا رزق ما رزق البحتري، فإنه كان مغرمًا متيمًا بالقول في الطيف، فأكثر فيه وأغزر، مع تجويد وإحسان وافتنان، وتصرَّف فيه تصرف المالكين، وتمكَّن منه تمكن القادرين".
(1) - هذا الرقم من إحصاء الأستاذ حسن كامل الصيرفي محقق ديوان البحتري. أما الشريف المرتضى فالرقم عنده في (طيف الخيال) مئتان ونيف وعشرون بيتًا.
(2) - الموازنة: 2/167.
(3) - الموازنة: 2/170.
(4) - غرر الفوائد: 1/541.
(5) - طيف الخيال: ص 4.