حدثني بذلك غير واحد كل منهم حكى ما يعضد به قول الآخر قال أحدهم دخلنا مدينة فلم نجد فيها حيوانًا في الأرض ولا في السماء فتخللنا البيوت فألفينا أهلها كما قال الله عز وجل"جعلناهم حصيدًا خامدين"فتجد ساكن كل دار موتى فيها الرجل وزوجته وأولاده. قال: ثم انتقلنا إلى بلد آخر ذكر لنا أنه كان فيه أربع مئة دكان للحياكة فوجدناها كالتي قبلها في الخراب، وإن الحائك في بير حياكته ميت وأهله موتى حوله، فحضرني قوله تعالى"إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون"، قال: ثم انتقلنا إلى بلد آخر فوجدناه كالذي قبله ليس به أنيس وهو مشحون بموتى أهله. قال:"واحتجنا إلى الإقامة به لأجل الزراعة فاستأجرنا من ينقل الموتى مما حولنا إلى النيل كل عشرة بدرهم، قال: ولكن قد بدلت البلاد بالذئاب والضباع ترتع في لحوم أهلها."
ومن عجيب ما شاهدت أني كنت يومًا مشرفًا على النيل مع جماعة فاجتاز علينا في نحو ساعة نحو عشرة موتى كأنهم القرب المنفوخة هذا من غير أن نتصدى لرؤيتهم ولا أحطنا بعرض البحر. وفي غد ذلك اليوم ركبنا سفينة فرأينا أشلاء الموتى في الخليج وسائر الشطوط كما شبهها ابن حجر بانابيش العنصل وخبرت عن صياد بفرضة تنيس أنه مر في بعض نهار أربعمئة غريق يقذف بهم النيل إلى البحر الملح. وأما طريق الشام فقد تواترت الأخبار أنها صارت مزرعة لبني آدم بل محصدة، وأنه عادت مأدبة بلحومهم للطير والسباع وإن كلابهم التي صحبتهم من مجلاهم هي التي تأكل فيهم. وأول من هلك في هذه الطريق أهل الحرف عندما انتجعوا إلى الشام وانتشروا في هذه المسافة مع طولها كالجراد المحسوس، ولم تزل تتواصل هلكاهم إلى الآن، وانتهى انتجاعهم إلى الموصل وبغداد وخراسان وإلى بلاد الروم والمغرب واليمن ومزقوا في البلاد كل ممزق.
وكثيرًا ما كانت المرأة تتملص من صبيتها في الزحام فيتضورون حتى يموتوا.