ولكنه انقطع في سورية حوالي عام 1837م إلا أن العلم كان قد تقدم واكتشف أسباب الداء ووضع له مصلًا مضادًا وذلك على يد يرسان Yersin أحد تلامذه باستور. والوباء حاليًا منحصر في بعض مناطق الهند، إذ استطاع العلم الحديث أن يقضي عليه تقريبًا كما قضى على الجدري وغيره من الأمراض السارية.
ومن أجود أوصاف وباء الطاعون ما ذكره عبد اللطيف البغدادي (12) في كتابه"الإفادة والاعتبار بأرض مصر"من أكل لحم الآدمي وغيره فيقول:
"ولو أخذنا نقتصّ كل ما نرى ونسمع لوقعنا في التهمة أو في الهذر، وجميع ما حكيناه مما شاهدناه لم نتقصده ولا تتبعنا مظانه وإنما هو شيء صادفناه اتفاقًا بل كثيرًا ما كنت أفر من رؤيته لبشاعة منظره."
وأما من يتحين ذلك بدار الوالي فإنه يجد منه أصنافًا تحضر مع آناء الليل والنهار وقد يوجد في قدر واحد اثنان وثلاثة وأكثر ووجد في بعض الأيام قدر فيها عشر أيد كما تطبخ أكارع الغنم ووجد مرة أخرى قدر كبيرة وفيها رأس كبير وبعض الأطراف مطبوخًا بقمح وأصناف من هذا الجنس تفوت الأحصاء.
وكان عند جامع ابن طولون قوم يتخطفون الناس ووقع في حبالتهم شيخ كتبي بدين ممن يتبيعنا الكتب فأفلت بجريعة الذقن (12) وكذلك بعض قوام جامع مصر وقع في حبالة قوم آخرين بالقرافة فتداركه الناس فخلص من الوهق وله حصاص (14) وأما من خرج من أهله فلم يرجع إليهم فخلق كثير: وحكى لي من أثق به أنه اجتاز على امرأة بخربة وبين يديها ميت قد انتفخ وتفجر وهي تأكل من أفخاذه، فأنكر عليها فزعمت أنه زوجها وكثيرًا ما يدعي الآكل أن المأكول ولده أو زوجه أو نحو ذلك. ورؤى مع عجوز صغير تأكله فاعتذرت بأن قالت إنما هو ولد ابنتي وليس بأجنبي مني ولئن آكله أنا خير من أن يأكله غيري
وأشباه هذا كثير جدًا حتى أنك لا تجد أحدًا في ديار مصر إلا وقد رأى شيئًا من ذلك حتى أرباب الزوايا والنساء في خدورهن.
ومما شاع أيضًا نبش القبور وأكل الموتى وبيع لحومهم.