إن تحديد مفهومنا لماهية هذا التراث يقتضي بعض الشرح المدعوم بالأمثلة. كنا قد أشرنا إلى أن اللغة هي حبة الرمل التي تتكون حولها اللؤلؤة. بما يعادل إعطاء اللغة دور الأساس في البناء الحضاري. بما يطرح المسألة اللغوية كمسألة مركزية في الحضارة وفي تراثها. كما تزداد حيوية تأثير هذه المسألة في تراثنا نظرًا للعمر المديد للغتنا العربية. هذه اللغة التي حافظت على بنيانها الدلالي- الفلسفي، دون تغييرات تذكر، مقابل اضمحلال، وزوال، لغات الحضارات الأخرى من الإغريقية إلى اللاتينية. أما العبرية فإنها تكاد تفقد أثرها في اللغة المتداولة في إسرائيل. من هنا اعتقادنا بأن اللغة العربية لم تحفظ لنا تراثنا فحسب بل إنها حالت دون تحويله إلى إرث لأنها أبقته على قيد الحياة. هذه ليست مغالاة إذا نحن نظرنا إلى المواقف القانونية والسياسية التي تعتمدها الدولة الفرنسية لحماية لغتها، حيث تسن هذه الدولة القوانين لمعاقبة من يستخدم كلمات إنجليزية. أما على الوجه الآخر للعملة فيبرز السؤال هل بالإمكان بناء حضارة أو مجرد دولة من دون لغة؟. الأجوبة عديدة وماثلة للعيان. فقد استعارت الولايات المتحدة اللغة الإنجليزية فاضطرت لاستعارة المنطلقات الإنجليزية في رؤية الآخرين ومعها الأسلوب الإنجليزي في تخيل الزمان والمكان. حتى أتت الولايات المتحدة ابنة شرعية للدولة صاحبة اللغة. من هذا الواقع جهد الفرنسيون لدعم انفصال مقاطعة كيوبيك عن كندا. من هذا المنطلق أيضًا فإن كل محاولات النيل من تراثنا وأمتنا كانت تمر بمحاولات النيل من اللغة العربية.