ومما تجدر الإشارة إليه أنّ الدراسة اعتمدت ما جاءت به دراسة التشبيه الدائري في الشعر الجاهلي) من الناحية التاريخية، كما اعتمدت مصطلح التشبيه الدائري) الذي أطلق على هذه الظاهرة أيضًا (2) ، وفي الوقت نفسه، لم ترفض الدراسة الحالية المصطلحات الأخرى إذا ما توافر في فاتحة التشبيه حرف النفي ما)، وفي خاتمته اسم التفضيل على وزن أفعل) المقترن بالباء، وقام على المقارنة بين طرفيه، وسبب عدم الرفض يعود إلى توافر مصطلح التضمين) (3) -كما عرّفّه البلاغيون القدماء- في التشبيه الدائري وبخاصة في المشبه به)، ومصطلح الاستطراد) (4) ، في المشبه به إذ تكثر الأحداث، ومصطلح الطويل) (5) ، لما يشغله طرفا التشبيه من مساحة مكانية أفقية أو رأسية.
والتأمل في هذه الظاهرة في الشعر الأموي من حيث توصيفها يقود إلى أنّها كقرينتها في الشعر الجاهلي، فأقلها شطر واحد وبيت واحد، ومعظمها بيتان أو ثلاثة، وقليلها ما زاد على ذلك، كأن يكون أربعة أبيات أو خمسة أو أكثر، وكل هذا يعود إلى ما تكنه المشاعر والأحاسيس من عوز لهذه الظاهرة يختلف إلحاحًا، لذا تأتي على وفق ذلك إطنابًا أو اقتضابًا.
وموضوعات التشبيه الدائري متعددة ومختلفة باختلاف ما تنتمي إليه من مصادر، فقد كانت في الشعر الجاهلي تنتمي إلى مصادر ثلاثة مرتبة حسب اهتمام الشعراء، أولها الحيوان، وثانيها الطبيعة، وثالثها الإنسان (6) ، ولكن هذه الاهتمامات عند الشاعر الأموي طرأ عليها بعض التغيير، لذلك كان أولها الطبيعة، وثانيها الحيوان وثالثها الإنسان (7) ، ولعلّ سبب مجيء الطبيعة أولًا يعود إلى ما لحظه الشاعر الأموي من جمال زائد في البيئة الأموية الجديدة تفتقر إليه بيئة الجزيرة العربية، ويؤكد ذلك ما لحظناه من انجذاب شاعر الفتح الإسلامي إليها، إذ شغل ذاته- إلى جانب ما شغلها من موضوعات- بوصف الطبيعة أكثر من حيوانها (8) .