ولا شكّ في أنّ كتاب"المثل السّائر في أدب الكاتب والشّاعر"ينمّ على ثقافة ابن الأثير الموسوعيّة، في القرآن والحديث والشّعر والنّثر على حدٍّ سواء. وهذه الثّقافة مكّنته من الإحاطة بكتب الأدب والنّقد والبلاغة، وجعلتْ كتابه معرضًا لما انتهت إليه مصطلحات البلاغة والنّحو والصرّف والعروض بعد استقرارها، وفرصةً للمقارنة بين المؤلّفات التي تنتمي إلى حقل معرفيّ واحد، ومجالًا لتحديد المفهومات الأدبية والنّقديّة في القرنين السّادس والسّابع الهجريّين. بيد أنّ أهميّة"المثل السّائر"تنبع قبل أيّ شيء آخر من محاولة ضياء الدّين الجمع بين الأدب والبلاغة والنّقد في مستوى واحد، هو مستوى العلاقة بين الإبداع ونقده. فالقواعد النّحويّة والصّرفيّة والبلاغيّة لا تذكر في هذا الكتاب لكي تُعْرَض تعريفاتها وحدودها، بل تُذْكر لبيان مكانتها في الفعاليّة الأدبيّة الإبداعيّة، والفعاليّة النّقديّة، وليتمكّن ضياء الدّين من تحديد العلاقات بين الفعاليّتين الإبداعية والنّقديّة.
لهذا السبّب لم يكتف ضياء الدّين بجمع آراء سابقيه وتصنيفها، بل راح يناقشها ويدلّ على مواطن الجودة والرّداءة فيها. وساعده على ذلك جَمْعهُ بين موهبتين: موهبة الكتابة الإبداعيّة وموهبة النّقد الأدبيّ. فهو كاتب وناقد في آن معًا، وكتابه"المثل السّائر"تعبير عن الموهبتين كلتيهما. فقد نقد في هذا الكتاب نصوص سابقيه والمعاصرين له، ولكنّه لم يقتصر على ذلك، بل أورد نصوصًا من تأليفه ليُقدِّم للقارئ مثلًا أعلى للنّصوص الأدبيّة يخلو من السّلبيّات التي انتقدها في أثناء التّحليل. وكان أحيانًا يقارن بين نصوصه ونصوص سابقيه ومعاصريه ليُحقّق الهدف نفسه أو يوحي به.