نشأ ضياء الدّين بن الأثير في أسرة عربيّة شيبانيّة ثريّة ذات مكانة لدى الأتابكة. وكان لهذه النّشأة أثر في اعتداده بنفسه، وتفرّغه للعلم، وتفتُّح موهبته الأدبية، وطموحه إلى المكانة السيّاسيّة. والثّابت أنّه تزوجّ في الموصل، وعاش فيها نحوًا من عشرين سنة، قبل أن ينتقل إلى الشّام ويتّصل بالقاضي الفاضل الذي ألحقه بخدمة صلاح الدّين الأيوبيّ وعمره تسع وعشرون سنة. ولا شكّ في أنّ حياة ضياء الدّين بين عامي 587هـ (وهو العام الذي انتقل فيه إلى الشّام) و 607هـ (وهو العام الذي عاد فيه إلى الموصل ثانية ليلتحق بخدمة أميرها عزّ الدّين مسعود) حافلة بالأحداث الجسام. وقد ارتبطت هذه الأحداث بالملك الأفضل بن صلاح الدّين الأيوبيّ، وعبّرت عن طموحات ضياء الدّين السيّاسيّة، وإخفاقه في أن يجمع بين المكانتين السيّاسيّة والأدبيّة.
ذلك أنّ الأفضل أُعجب بضياء الدين، فاستأذن أباه في أن يُلحقه بخدمته. وكان ضياء الدّين يرنو إلى ذلك، لأنّه أيقن بأنّ أمر الملك سيؤول إلى الأفضل بعد أبيه، وهو فتى غِرّ في الثّانية والعشرين من عمره، يملؤه الغرور والطيش، وتتوزعه نوبات من العنف والقسوة وأخرى من الضعف والاستسلام للبكاء، أو نوبات من معاقرة الخمرة واستباحة الحرمات وأخرى من الزّهد والوجد وملازمة المسجد وقراءة القرآن ونسخه بخطّه.
وهذه الصّفات تُعين ضياء الدين، الكاتب الشّابّ الطّموح، على أن يتولّى الوزارة ويتفرّد بالحكم. وقد تحقّق له ذلك بعد ثلاث سنوات حين توفّي صلاح الدّين، وخلفه في الحكم ابنه الأفضل.
أصبح ضياء الدّين وزير الأفضل وصاحب الحظوة لديه، فزّين له طرد الأمراء الكبار ومعاوني صلاح الدّين السّابقين، بغية التفرُّد بالحكم. ولكنّه لم يكن وزيرًا عادلًا وفيًّا، بل كان معتدًا بنفسه، مفتقرًا إلى التّواضع والقدرة على تدبير أمور الملك، بعيدًا عن الوفاء لأصحاب المكانة من الأمراء والأدباء.