يقول المؤرخ فيليب حتّي، في كتابه تاريخ لبنان:"كانت كنعان خلال الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد جسرًا عبرت عليه البضائع المصرية في طريقها إلى بابل، والبضائع البابلية إلى مصر. ولم يقتصر الأمر على البضائع المادية بل تعدّاها إلى انتقال الأفكار والتيارات الحضارية. كما أن الإغريق اقتبسوا من الفينيقيين الكثير: في الدين، واللغة، والزراعة، والصناعة، وفن العمارة، والأدب، والكتابة".
من المسلّمات التاريخية أن أكثر الشعوب القديمة كانت تشكل قبائل مفطورة على حبّ التنقل والترحال منذ فجر التاريخ. ويعود ذلك لعدة أسباب أهمها: طلب الرزق من ماء وغذاء، وطلب الأمان، خشية الحيوان والإنسان، والفرار من أمكنة ينتشر فيها الوباء أو الكوارث الطبيعية.
ولكن حينما استقرت أكثر تلك القبائل في أماكن آمنة، يتوافر فيها الرزق والعمل، فقد أصبح للانتقال والرحلات الفردية أو الجماعية غايات أخرى، أهمها التجارة، وطلب العلم، وحب الاستطلاع.
ويقول العالم سارتون إن عددًا من المؤرخين اليونان قاموا برحلات عديدة القصد منها جمع معلومات خاصة بالجغرافيا البشرية، منهم هيرودوت وكيتسياس وهانون في القرن الخامس ق.م، وكسينوفون وبتياس في القرن الرابع ق.م، وباتروكليس السلوقي وإراتوستنيس البرقاوي في القرن الثالث ق.م.
ترك هؤلاء العلماء والرحّالون مذكرات عن أسفارهم البرية والساحلية، ورسومًا وخرائط بدائية استفاد منها السلوقيون والرومان في فتوحاتهم، كما استفاد منها علماء التاريخ والجغرافية العرب فيما بعد.