تتوالى تواريخ الأدب العربي في النقل عن سابقاتها أو عن المستشرقين من دون تمحيص حتى غدا الأدب الأندلسي مجالس طرب في مجالي الطبيعة الفاتنة وغدا شعرهم مادة للغناء أساسًا، وهو -من جهة ثانية- مقلد للمشرق ولم يبلغ مداه، وبالغ بعض الدارسين في ذلك وأسرفوا في توهمهم وتشويههم الأدب الأندلسي وأصحابه من مثل الأستاذ بطرس البستاني في كتابه أدباء العرب في الأندلس وعصر الانبعاث"، فهو-مثلًا- ينعت الأندلس ببحبوحة العيش- وليست كلها كذلك- ثم ينتقل إلى توهم انحدار الأندلسيين جميعهم إلى مستنقعات الرذيلة والفحش، يقول:"وكانت الأندلس دار خصب وغنى، وموطن حضارة ولهو وجمال فانصرف أهلها إلى متع الحياة يتذوقونها فأسرفوا في طلب الملذات، وانغمسوا في حمأة الدعارة، وتهتك شاعرهم وكاتبهم فنطقت شفتاه بأفحش الأقوال، وتمادى في ذكر مجالس اللهو والخمر والتعهر غير متحوب ولا وجل" (16) ."
وهو كذلك يتحدث عن محبة الأندلسيين طبيعة بلدهم وأثرها في تجميل خيالاتهم فينسب الفضل إلى الطبيعة ويقصره عليها من دونهم في ذلك مع أن لخيال الشاعر الخلاق الأثر الأكبر في الإبداع والاختراع، يقول:"وَشَغَفُ الأندلسيين بالطبيعة منحهم خيالًا جميلًا وتشابيه حلوة، فكانت الرقة والنعومة ميزة أشعارهم والفضل في ذلك للأندلس وما لربوعها من تأثير في نفوسهم" (17) .