كان الشيخ طلعة، طلب العلم كما يقال من المهد إلى اللحد، ولم ينقطع عن طلب العلم والمعرفة حتى بعد أن كُفّ بصره، فقد كان يحمل كتابه، ويذهب إلى مَنْ يقرأ له، وقد طوّف في الآفاق وجاب البلاد وخبر العباد وأقام باليمن عشر سنين وزار الهند وأقام في مكة ثلاث سنين تعلم فيها علم الفلك، وكان يعمل بالتجارة وينهل من مناهل العلم.. وعاد وألقى عصا التسيار في مدينته وكتب عددًا من الكتب، منها كتاب في علم الفلك، ضاع فيما ضاع من آثار الشيخ التي لم يبق منها شيء، حتى مكتبته النفيسة الرائعة التي أفنى عمره في جمعها ذهبت وتبددت..
علمتُ من أحاديث الشيوخ أن الشيخ السكاف كان يقول الشعر، بل قيل لي إنّ له الكثير من الشعر، وطمعت في الوقوع على شيءٍ منه.. ولكن عدت بخفّي حنين.. ثم تناهى إليّ أن له ابنًا في الثمانين ما يزال حيًا ويحفظ شعر أبيه.. وفعلًا فقد زرته -وذلك منذ عشرين عامًا- وكتبت ما يحفظه، لكنّ هذا المحفوظ كان بعيدًا عن روح العصر- عصر الشاعر- لأن الابن لم يكن يهتم برواية شعر أبيه، وإنما كان يحفظ منه المطرزات، والمطرزة مجموعة أبيات إذا أخذ الحرف الأول من كل بيت، وجمعت الحروف ركّب منها الاسم المقصود. فمن ذلك هذه المطرزة في اسم"محمد":
ما أحسنَ البدرَ في داجٍ من الظُّلَمِِ
حيّا الحيا حَيَّ مَنْ أهواه من صغرٍٍ ... بعطر وردٍ يحاكي طيبَ نشرهمِ
محبوب قلبي بهيج الحسن ذو أدبٍ ... كالزهر في الروض في حبّ الغمام رُمي
دريّ لفظٍ كأنّ الدرّ مبسمه ... وريقه الشّهد يُحْيي دارسَ الرّمم
وقال مطرزًا في اسم"توفيق": ... وغطّى الشمس بالليل البهيمِ
تمايل وانثنى واهتزّ تيهًا
ونادى إنّ خدّي فيه نارٌ ... وماءٌ كالنعيم وكالجحيمِ
فقلت له: اسقني من ماءِ خدٍّ ... فقال: محرّمٌ ذا ع اللئيم
يودّ المجرمون نعيم وجهي ... فقلت له ولا نار الجحيم
قال بلى فإن اليوم فيها ... لذاغة عقرب الصدغ الأليم