ولد الشيخ محمد خالد الأتاسي في حمص سنة 1253هـ=1837م (8) واتجه إلى تحصيل العلوم الشرعية، وأصبح مكينًا بها ضليعًا، وتسلّم منصب الإفتاء في مدينته، وعُرف في عالم القانون بشرحه المبسوط لـ"المجلّة" (9) المشتملة على الأحكام القانونية أيام الدولة العثمانية، ولا يزال هذا الشرح مرجعًا قانونيًا هامًا. ولا يهمنا من الشيخ هذا، وإنما نتجه إلى الجانب الفني الجميل ولا سيما أنه عرف عنه أنه يقول الشعر، وذكر له المرحوم أدهم الجندي أبياتًا قليلة (10) ، وشاءت المصادفة أن أقع على أوراق منتزعة من كنّاش قديم جُمعت فيها قصائد للشيخ محمد خالد ولابنه الشيخ محمد طاهر، وإذا كانت هذه القصائد لا تكفي لبناء دراسة موسّعة، فإنها تكفي -على الأقلّ- لتقديم لمحة عن المقدرة الفنية لدى الشيخ. وسنقف أولًا لدى نماذج مستمدة من قصيدتين، الأولى في مديح الرسول الأعظم والثانية في مديح أحد الولاة.. ومديح الرسول صلى الله عليه وسلم كان من أغراض الشعر الأساسية عند الشعراء والعلماء الذين ينظمون الشعر في العهد العثماني، وقد أكثروا من القول فيه، وكرروا المعاني والصور، إلا أنّ كلًا منهم كان يحسّ وهو يمدح الرسول أنّه إنما يأوي إلى ركنٍ أمين، ويفيء إلى ظلٍّ وريف، وينعم بأفياء دوحة باسقة، وغدا مديحه صلى الله عليه وسلم بابًا لإظهار الضراعة وطلب الشفاعة، وسبيلًا لإظهار التوبة والتطهر من الذنوب. وسأذكر نماذج قد أطيل في بعضها، وشفيعي أن هذا الشعر غير منشور ولا محفوظ وإنما يوثّق على هذه الصفحات، قال:
أنت يا مَنْ للسير شدّ رِحالَهْ
واشدُ إنْ فوَّقَ الزمانُ نِبَالَهْ ... مستغيثٌ يا مَنْ ختمت الرسالَهْ
مستجيرٌ يا مَنْ أجرْتَ الغزالهْ (11)
وإذا برقُ طيبةٍ لك لَعْلَعْ ... فاحدُ للعيس واحبِسَنْها بـ"لعلع"
واستحلْ وجنتيك بالدمع لعلع ... واشدُ واصعق وصحْ أنا لا محالهْ
مستجيرٌ يا مَنْ أجرْتَ الغزالهْ