وحسبنا في هذا الحديث (1) أن نوجز القول في نشأة التفكير عند العرب حول جمع بعض ألفاظ اللغة ضمن أنماط مختلفة من المناهج، وهو ما يمثل المرحلة الأولى من التأليف المعجمي، ثم نتحدث عما تبعها في المرحلة الثانية من تأليف معجمات الألفاظ، وأما معجمات المعاني فنرجو أن نفردها في حديث آخر إن شاء الله تعالى.
المرحلة الأولى:
منذ جعلت الفتوح تهدأ رويدًا رويدًا، اتجه علماء العربية إلى المحافظة على لغة القرآن وما لها من تراث، إذ شرعوا بوضع علم النحو لضبط اللغة وما يَعْرِض لها (2) ولا سيما أن العربية جعلت تحتك بلغة الأعاجم بعد الفتح، وأخذ يتسرب إلى بعض الناطقين بها شيء من عوارض اللحن.
واهتمام العلماء بوضع علم النحو جعلهم يهتمون بجمع اللغة لاستنباط القواعد منها، وجمع اللغة دعا إلى جمع الأدب الجاهلي من صدور الأعراب وغيرهم ليتاح لعالم اللغة أن يستند في قاعدته على شاهد ثابت موثّق (3) ثم لم تلبث هذه الحركة أن تناست الغاية الأولى، وأصبح همها جمع اللغة والأدب لمجرد المحافظة عليها. وكان الأعراب ضمن شروط معينة من المصادر الأساسية لجمع اللغة، سواء أكان ذلك بالاتصال بهم في صحرائهم، أم كان ذلك بالاستماع إليهم لدى وفادتهم على المدن والأمصار (4) ، وكانت هنالك مصادر أخرى من أبرزها القرآن الكريم، والحديث (5) ، والأدب الجاهلي، وكلام العرب، وما إلى ذلك.
ولا ندري كيف كان يُدَوّن العلماء عن الأعراب، ولا سيما حين نسمع أن أحدهم قد رحل إلى البوادي فأنفد كيت وكيت من زجاجات المداد، على أنه ينبغي أن تتصوّر أن ذلك التدوين كان يتم دون أي تنسيق، إلاّ أن الحاجة فرضت على العلماء فيما بعد أن يوجدوا شيئًا من التنسيق ولو يسيرًا، لتسهل العودة إلى ما جمعوا والاستفادة منه.