هذا وقد رأينا كيف يثني ابن سينا على البيروني في نقده شكل حركة الفلك وليس البيروني وحده هو الذي تناول آراء أرسطو بالنقد وثار عليها بل ثمّة مفكرون متعددون أولو اتجاهات متفاواتة. لقد ذكرنا آنفًا أبا البركات البغدادي في كتابه"المعتبر في الحكمة"، ولابد من أن نشير هنا عرضًا إلى الغزالي والسهروردي والقطب الشيرازي والنخجواني وابن تيمية وابن الهيثم، وغيرهم.
إن مناظرة البيروني لابن سينا كان لها وقع متفاوت لدى جماعات المفكرين والعلماء إذ ذاك.
كان أبو الفرج بن الطيب معاصرًا لابن سينا وكان فيلسوفًا وطبيبًا من حكماء بغداد. وكان ابن سينا"يذمه ويهجن تصانيفه" (10) . وقد كتب مقالة في الرد عليه جاء فيها:"إنه كان يقع إلينا كتب يعملها الشيخ أبو الفرج بن الطيب في الطب ونجدها صحيحة مرضية خلاف تصانيفه التي في المنطق والطبيعيات وما يجري معها". وقد كتب ظهير الدين البيهقي في"تتمة صوان الحكمة"، يظهر شماتة أبي الفرج بابن سينا بعد مناظرة البيروني له إذ جاء فيه:
"وقد بعث أبو الريحان مسائل إلى أبي علي فأجاب عنها أبو علي واعترض أبو الريحان على أجوبة أبي علي وهجَّنَّه وهجَّن كلامه وأذاقه مرارة التهجين وخاطب أبا علي بما لا يخاطب به العوامّ فضلًا عن الحكماء فلما تأمل أبو الفرج الأسئلة والأجوبة قال:"من نجل الناس نجلوه (11) ، ناب عني أبو ريحان (12) ، ويقول البيهقي في هذا الشأن منددًا بالطعن والتجريح:"وليس الذم والتثريب والتهجين من دأب الحكماء المبرزين بل تقرير الحق ومن قرر الحق استغنى عن تهجين أهل الباطل.". (13) .
ويقول البيهقي نفسه في ترجمة البيروني منوهًا بشأن ابن سينا"وله مناظرات مع أبي علي ولم يكن الخوض في بحار المعقولات من شأنه، وكل ميسر لما خلق له" (14) .وهذا الحكم نفسه ورد بالألفاظ أنفسها في كتاب"نزهة الأرواح وروضة الأفراح في تاريخ الحكماء والفلاسفة"، لمحمد بن محمود الشهرزوري. (15) .