ويبدو مما سبق، أن الآراء أعلاه تقع ضمن النسيان أو الإغفال لدور المقريزي وإسهامه المميز في حقل التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، وربما تعدت ذلك إلى إسقاط هذا الإسهام.. والواقع أن الباحث المتفحص لكتاب المقريزي، سيضع اليد على وفرة وغزارة من المعلومات التاريخية ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي التي أُدرجت في بناء مرسوم، وعبرت عن منهج وفهم معين جعلت من المقريزي مؤرخًا حصيفًا، عميقًا لا يقف عند حدوده الظاهرة التاريخية، بل يتجاوزها إلى الجوهر والقانون الذي يحكمها، ولعل هذا الاهتمام الخاص من المقريزي لا يقف عند كتاب"إغاثة الأمة بكشف الغمة"إذ نستطيع القول إنه يمتد إلى كتب أخرى (7) بيد أن تطبيقنا سينصب على كتاب"إغاثة الأمة بكشف الغمة"لأنه يظهر بعمق ووضوح متانة العلاقة بين التفكير الاجتماعي والاقتصادي عند المقريزي، ولا يقف عند الجوانب الاقتصادية فحسب، شأن الكتابين الخاصين بالنقود والأوزان والمكاييل... فما هي طبيعة هذا الكتاب؟ وماذا درس فيه المقريزي؟ وما هي أبرز ملامح التفكير الاجتماعي والاقتصادي فيه وله؟ وهل استطاع المقريزي أن يقدم فيه أفكارًا ترقى لتبيان الأسباب والدوافع، وتدرك وبفهم عال الداء والدواء في الاقتصاد والمجتمع، ومن ثم الخروج بمفاهيم نظرية ومقولات عقلية تندرج ضمن الرؤية العلمية، وتغادر دائرة الجبرية والحتم الجغرافي والاقتصادي؟..
لقد حاولت في هذا البحث، أن أعتمد كثيرًا على النصوص التي وردت في"إغاثة الأمة بكشف الغمة"ذلك أن الخروج بأحكام تحدد تفكير المقريزي اجتماعيًا واقتصاديًا، لن تكون كبيرة الإقناع للقارئ وللدارس والباحث، ما لم يقف على النص الأصلي، ومعروف أن في هذا احترازًا من تحميل النص أكثر ما يتحمل.