وقد بدأتْ تلك الفرقةِ بإطلاق مقولتها المذكورة أيام الخليفة هارون الرشيد، حين بدأ الجدلُ حولها، وعاش مجتمعُ بغداد، بين أخذٍ وردٍّ... وقيلٍ وقال.. وتبنِّ وتركٍ، ولكنْ دونما إلزامٍ من الخليفة بالقول بما أَقرَّتهُ المعتزلة، ولكنْ حين تولَّى الخلافة ابنُهُ المأمونُ من بعده، وأخذ بما أقرَّتهُ تلك الفرقة.. راح يُلزِمُ طبقات المجتمع كافة الأخذ بقولها.. وتبنَّى آراءها في هذا المجال، بل ويُجبرهم على ذلك، بناء على نصيحةٍ قدَّمها له بعضُ علماء المعتزلة.. الذين رأوا في انضمامه إليهم نصرًا كبيرًا.. وربحًا ثمينًا.. وفرصةً ذهبية لاتُعوَّض.. يجب الاستفادة منها لإجبار الناس على الأخذ برأيهم.. والقول بقولهم، فأشاروا على الخليفة أنْ يبدأ حملة الإجبار بخاصة العلماء من مّحدِّثين ومُفكرين وفُقهاء.. لينتهيَ بعامة الناس من العاديِّين والمحدودين والبُسطاء.
ومن المؤسف حقًّا أنْ يُصدِرَ الخليفةُ المأمون -الذي يُمثِّلُ النجم الأكثر إضاءةً ولمعانًا في نجوم الخلافة العباسية... علمًا وأدبًا وفكرًا -أوامره المشدِّدة إلى قادة الشُّرطة لإجبار الناس على الأخذ بقول المعتزلة، وإلا فإنهم يُطردون من وظائفهم ويُضربون بالسِّياط إلى أنْ يأخذوا بما أقرَّته تلك الفرقة من قول في هذا المجال.
ويروي الثِّقات من الرُّواة أنَّ المأمون أرسل إلى سبعةٍ من أكابر العلماء والمحدِّثين في بغداد ممن أنكروا قول المعتزلة ليحضروا مجلسه في قصر الخلافة حتى يُناظرهم بنفسه، فلما حضروا أخذتهم الهيبة والرهبة، فقالوا بقول الخليفة.