وبذلك وفر هذا العمل المبتكر على هذا الجيش حمل الأوعية الزجاجية المعبأة بالخل، والمعرضة للكسر والعطب إضافة إلى عبء حملها ونقلها على ظهور الرواحل لمسافات شاسعة وإذا اهتم القائد الشهير"نابليون"بتأمين الطعام لجنوده، وقال مقولته الشهيرة:"إن الجيوش تزحف على بطونها"، فقام بنفسه بالإشراف على تموين جيشه، وجعل له المقام الأول ومكان الصدارة، معللًا ذلك بأن الجندي الذي امتلأت معدته يستطيع أن يحمل سلاحه ويمضي بعزيمة قوية، فيصل إلى غرضه سليمًا معافى شديدًا قويًا، فإن القادة العسكريين العرب الأوائل قد سبقوا"نابليون في هذا المضمار الهام، فقد كان القائد العربي"سعد بن أبي وقاص"معنيًا بالشؤون الإدارية، ففي معركة"القادسية"كلف النساء دفن الموتى، وإسعاف الجرحى، ونقل السلاح والماء والغذاء"، كذلك القائد العربي"المثنى بن حارثة الشيباني"، أدرك أهمية حصول المقاتل على طعامه مهما كان الموقف عصيبًا، وفي أي وقت كان، وذلك قبل"نابليون بمئات السنين...ففي معركة"سوق بغداد"أمر هذا القائد جنده بالاستيقاظ في آخر الليل وقال لهم:"أيها الناس أطعموا وتوضؤوا وتهيَّؤوا..." (6) فأسرع الجميع يعلفون خيلهم، ويعدون سلاحهم ويستعدون للتحرك، وقد شبعت بطونهم، وارتوى ظمؤهم، وعلفت خيولهم. وفي موقعه"البويب" (7) ، التي جرت في شهر رمضان، لم يشأ القائد العربي الكبير"المثنى بن حارثة الشيباني"أن يقاتل جنوده وهم صائمون، فأمر جيشه بالإفطار، ثم أخذ يطوف بينهم ويحثهم، ويذكرهم برسالتهم، ويستثيرهم، ويعرض أمامهم الوقائع الماضية والمواقف الخالدة لجيش العرب."