فهرس الكتاب

الصفحة 16024 من 23694

هذه الأمور مجتمعة أدت إلى أن يكون هناك أخذ وعطاء بين العربية وغيرها من اللغات ما دفع أستاذنا الدكتور مسعود بوبو إلى القول: (إن وجود الدخيل في اللغات ظاهرة إنسانية طبيعية تنتج عن التقاء البشر واختلاطهم مما أدى إلى اختلاط اللغات، وتبادل الألفاظ، فأخذت كل لغة ما تحتاج إليه من ألفاظ لغة أخرى، وما من لغة ذات شأن في تاريخ الحضارة الإنسانية إلا كانت عرضة لمثل هذا التبادل اللغوي، بل إن عملية التبادل اللغوي واتساعها، جعلها حقيقية علمية لا يمكن إغفالها مما دفع البحث اللغوي إلى دراستها دراسة معمَّقة موسَّعة) . (4)

ولكن هذا الأخذ لم يكن عشوائيًا، بل جرى حسب أصول العربية، فلم تؤخذ تلك الألفاظ الدخيلة عن الأمم الأخرى كما هي منطوقة في لغاتها الأصلية، بل نطقت حسب أصول العرب في النطق والاستعمال فقاسوها على كلامهم وقواعدهم فكلمة (المهندز) الفارسية نطقوها (المهندس) لأن الدال والزاي لا يجتمعان في كلمة من كلام العرب، وعلى هذه الشاكلة تمَّ أخذُ ألفاظ الأمم الأخرى ولم يأخذوا الألفاظ الدخيلة بنطقها الأصلي إلا في النادر، وفي حالة الضرورة القصوى، وهكذا فعلت اللغات الأخرى التي أخذت ألفاظًا من اللغة العربية، ولا يخفى عن ذهن أحد كيف تُنطق كلمة (دمشق) أو (حلب) أو (القاهرة) في اللغة الإنكليزية، فإنهم ينطقونها حسب مخارج أصواتهم، وأصول لغتهم، لا ينطقونها كما تنطق في لغتها الأصلية.

ولم تصبح دراسة الدخيل في أوربا علمًا مستقلًا له أصوله وقواعده، ومعاييره وعلماؤه إلا في نهاية القرن التاسع عشر عندما أخذت معالم الدراسات اللغوية التاريخية تتضح صورتها، واتجهت نحو تأصيل اللغات، وتبيين فصائلها المنحدرة عنها، ومدى الاتصال بينها، واقتراض بعضها من بعض وكانت دراساتهم قبل هذا التاريخ تتسم بالحدس والتخمين، لافتقارها إلى الوثائق التاريخية والوسائل المساعدة على إيضاح هذا الغرض العلمي (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت