والأهم من ذلك أن القرآن نزل على رجل عادي، نشأ يتيمًا فقيرًا، رجل أمي عاش في قوم لم يشتهروا بالبحوث العلمية، ومع ذلك تميزوا بالبلاغة والشعر، وكانوا يقدسون البلاغة، حتى إنهم وضعوا المعلقات السبع على جدار الكعبة، وهي أقدس مكان لدى العرب. وجاء القرآن ليتحداهم، أن يأتوا بسورة من مثله، ولما عجزوا عن ذلك أصبح القرآن معجزةً لقبيلة قريش، وسائر القبائل العربية، فأقبلوا على حفظه والسير على هداه وأصبحوا من أعظم الفاتحين الذين نقلوا هذه الحضارة الإنسانية إلى أقاصي المعمورة. ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يشتهر بالشعر، ولا بالبلاغة التي اشتهر بها امرؤ القيس وغيره من شعراء العرب، ولم يشتهر بعلم الطب، ولا بعلم الفلك، ولا بعلم الذرة.. لكنه بعد أن تلقى الرسالة، أصبح أفصح الناس قاطبة، وأوتي جوامع الكلم وينابيع الحكمة، ووصل إلينا من حكمه ما ينيف على مائة ألف حديث، قالها بعد تلقي الرسالة ؛ وغدا المثل الأعلى للبشرية في كل شيء.
وفي القرآن حقائق علمية لم تفهمها البشرية إلا اليوم. في قمة التقدم العلمي، بل هناك معجزات لم تكتشف بعد، ولو أنها تُؤوّل حسب مستوى العصر. وفيه تصحيح للرسالات السماوية السابقة التي لم تسجل في حينها واعتراها التحريف، لكن الله عز وجلّ أراد أن يعيدها إلى جادة، الصواب، فبعثها من جديد وصححها في القرآن الذي لم يتعرض إلى أي تحريف (إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر 9) . فقد حوى تاريخ الأقوام السابقة كفرعون وعادٍ وثمود... الخ بأسلوب فريد من نوعه. وفيه إشارات لحقائق تاريخية أيدتها البحوث العلمية الحديثة، مثل قصة إغراق فرعون وجيشه ثم قذفه إلى البر. وبعد ألفٍ وتسعمائة سنة قال عنه القرآن (فاليوم نُنَجِّيكَ ببدنك لتكون لمن خَلْفَكَ آية..) (يونس 92) . وبالفعل اكتُشفت جثته أخيرًا كما هي، ووجد في فمه آثار من ملح البحر.