وكان من عجائب أمر الشيخ أني صحبته وخدمته خمسًا وعشرين سنة فما رأيته إذا وقع له كتاب مجدد ينظر فيه على الولاء، بل كان يقصد المواضع الصعبة منه والمسائل المشكلة، فينظر ما قاله مصنفه فيها، فيتبين مرتبته في العلم ودرجته في الفهم. وكان الشيخ جالسًا يومًا من الأيام بين يدي الأمير وأبو منصور الجبائي حاضر فجري في اللغة مسألة تكلم الشيخ فيها بما حضره، فالتفت أبو منصور إلى الشيخ يقول إنك فيلسوف وحكيم، ولكن لم تقرأ من اللغة ما يرضي كلامك فيها، فاستنكف الشيخ من هذا الكلام وتوفر على درس كتب اللغة ثلاث سنين، واستهدى كتاب تهذيب اللغة من خراسان من تصنيف أبي منصور الأزهري، فبلغ الشيخ في اللغة طبقة قلما يتفق مثلها. وأنشأ ثلاث قصائد ضمنها ألفاظًا غريبة من اللغة. وكتب ثلاثة كتب أحدها على طريقة ابن العميد، والآخر على طريقة الصابي والآخر على طريقة الصاحب وأمر بتجليدها، وأخلاق جلدها. ثم أوعز الأمير فعرض تلك المجلدة على أبي منصور الجبائي. وذكر أنا ظفرنا بهذه المجلدة في الصحراء وقت الصيد فيجب أن تتفقدها وتقول لنا ما فيها، فنظر فيها أبو منصور وأشكل عليه كثيرًا مما فيها. فقال له الشيخ إن ما تجهله من هذا الكتاب فهو مذكور في الموضع الفلاني من كتب اللغة، وذكر له كثيرًا من الكتب المعروفة في اللغة كان الشيخ حفظ تلك الألفاظ منها، وكان أبو منصور مجازفًا فيما يورده من اللغة غير ثقة فيها، ففطن أبو منصور أن تلك الرسائل من تصنيف الشيخ، وأن الذي حمله عليه ما جبهه به في ذلك اليوم، فتنصل واعتذر إليه. ثم صنف الشيخ كتابًا في اللغة سماه لسان العرب لم يصنف في اللغة مثله ولم ينقله في البياض حتى توفي فبقي على مسودته لا يهتدي أحد إلى ترتيبه. وكان قد حصل للشيخ تجارب كثيرة فيما باشره من المعالجات عزم على تدوينها في كتاب القانون، وكان قد علقها على أجزاء فضاعت قبل تمام كتاب القانون.