إن الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى أحد أركان الإيمان الستة، ولما كان النظّام يؤمن بحرية وإرادة الإنسان فقد كان يقول:"الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره منا.". (50) .
أما عن الطاعات والمعاصي والثواب والعقاب، فيرى النظّام أنّها إذا استوت استوى أهلها فيها، وإذا"لم يكن منهم طاعة ولا معصية استووا في الفضل" (51) .
وينقل الجاحظ عن النظّام أن:"الأبدان السبعية البهيمية لاتدخل الجنة، ولكن الله عز وجل ينقل تلك الأرواح خالصة من تلك الآفات (الأبدان) فيركبها في أي الصور أحبّ". (52) .
النظام والأدب:
إن قراءة أشعاره المتناثرة هنا وهناك تُرينا أنّه محبٌ للغوصِ عن المعاني الرقيقة الدقيقة. وصوغها في قالب ظريف، ويؤكد الجاحظ صدق النظّام التام فيما يقول. وكان النظّام"يمدح النخلة ويذمها، ويمدح الكأس الزجاجية ويذمها" (53) .
قال النظّام يصفُ العشقَ:"العشقُ أرقُ من السراب، وأدبُ من الشراب، وهو من طينة عطرة عجنت في إناء الجلالة، حلوٌ للمجتنى ما اقتصد، فإذا أفرط، عاد خبلًا قاتلًا، وفسادًا معطلًا... وصريعهُ دائمُ اللوعةِ ضيّقُ المتنفس... إذا أجنّه الليل أرق، وإذا أوضحه النهار قلق، صومهُ البلوى وإفطاره الشكوى" (54) .
وتُظهر نزعة النظام الكلامية والفلسفية في شعره، مثل قوله في تلميذه الجاحظ (55) :
حبي لعمرو جوهرٌ ثابتٌ
به جهاتي الستُّ مشغولة ... وهو إلى غيري بها مائلُ
أو كقولهِ عندما كان في يده قدح دواء وسُئلَ عما بهِ؟ فأجاب (56) : ... أدفعُ آفاتٍ بآفاتِ
أصبحتُ في دار بليّات
ومن رقيق شعرهِ: (57) : ... كأنّا افترقنا ولم نفترق
أريد الفراق وأشتاقكم
وأستغنم الوصل كي أشتفي ... وهل يشتفي أبدًا من عشق؟
ياتاركي جسدًا بغير فؤاد ... أسرفت في الهجران والإبعاد
إن كان يمنعك الزيارة أعين ... فادخل علي بعلة العوّاد
كيما أراك وتلك أعظم نعمة ... ملكت يداك بها منيع قيادي
إن العيون على القلوب إذا حنت ... كانت بليتها على الأجساد