ترى الناس على اختلاف مذاهبهم ونحلهم وأجناسهم مجمعين على انتقاد أعمال القضاة والنواب شاكين كل حين من ظلمهم وغدرهم على أن العدل والأمن والراحة العامة وتأمين الحقوق في أيديهم وحياة الأمة وعمران الوطن وسعادته تتوقف على إصلاحهم فهم على ماهم عليه من المكان من حيث الدين والدنيا نرى أكثرهم كانوا في أكبر المخربين في هذا المجتمع الإنساني وقد تيسر لي اختبار أعمالهم وأفعالهم فرأيت أن أكتب شيئًا عنهم غير أني لم أقدم عليه قبل الرجوع إلى أمهات الكتب الدينية والوقوف على حقائق هذا المنصب العظيم.
وقد انشأت هذه المقالات بعد أن طالعت مقدمة ابن خلدون، وحاشية ابن عابدين وتكملته، والنظائر، والأحكام السلطانية، وتاريخ الطبري، وتاريخ الكامل لابن الأثير، ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة، والميزان للشعراني، وسراج الملوك وغيرها. ولذلك أرجو من وجد غرابة في أقوالي أن يرجع إلى هذه الكتب المهمة.
بعدها استعرض العسلي باختصار تاريخ القضاء منذ صدر الإسلام إلى أيام المماليك. فوظيفة القاضي في صدر الإسلام كانت محصورة في الفصل بين الخصوم فقط، ثم اتسعت فيما بعد. و"كان الخلفاء الأمويون والخلفاء العباسيون في أول أمرهم لا يُولّون القضاء إلا لأهله. وكانوا يرغبون في علم القاضي وعقله وفضله وكمالاته ويولّون القضاء للمعتزلي والظاهري والشافعي والحنفي والحنبلي والمالكي. وكان بين القضاة من مزج المذهبين في خطته. ولما تسلط المماليك وصار لهم الأمر والنهي أصبحوا سلاطين مطلقين في مقر الخلافة، أخذوا يتدخلون في القضاء مع أنه من حقوق الخلافة الصريحة، وصاروا يولّون من يشاؤون فأضاعوا حقوق الله وحقوق عباده وهتكوا حرمة الدين".