ويصل إلى درجة التناقض الفكري الكبير بين صفحات قلائل إذ يبدأ المؤلف بعرض مسيرة وجيزة للشعر الأندلسي يقسم الشعر فيها ثلاث مراحل؛ مرحلة التقليد ثم المنافسة ثم التجديد وهي مراحل مقبولة وإن كانت غير كاملة، وهي -على أية حال- مناسبة لطلاب المرحلة الثانوية العامة، ولكنه وقف عند المرحلة الأولى وسحب خصائصها التقليدية على سائر العصور الأندلسية وجميع الأغراض الشعرية ولم يفِ بوعده بأنه سيتحدث عنها بعد قليل. أما التجديد في الشعر الأندلسي -برأيه- فكان في موضوع شاذ هو الغزل بالمذكر مع أن هذه الظاهرة الشعرية المشينة قد ظهرت في المشرق أولًا، أما تفوقهم فكان في بعض موضوعات الوصف ولا يكمل ذلك حتى يصم أكثر التشبيهات الأندلسية بأنها مبتذلة لا فضل لهم فيها سوى طريقة عرضها الجديدة، يقول في مقدمة حديثه:"كان أدباء الأندلس في بادئ الأمر يقلدون المشرق ثم تجاوزوا ذلك إلى منافسته ثم بدأ عندهم نوع من التجديد أو استقلال الشخصية الأدبية وتميزها مما سنتحدث عنه بعد قليل" (40) . فظننا خيرًا وانتظرنا كثيرًا فكانت النتيجة ليس كما وعد، فتجديد الشعر الأندلسي مقتصر على أنه"طرق بعض المواضيع والمعاني الخاصة التي لم يكن يبيحها العربي لنفسه من قبل في العهدين الجاهلي والإسلامي كالغزل بالمذكر مثلًا" (41) . ثم يزعم أن الشعراء الأندلسيين قد اتبعوا الشعراء المشارقة في أغلب الأغراض الشعرية خلا الوصف في بعض أنواعه بيد أن"أكثر تشابيههم مبتذل إلا أنهم يفتنّون في استخراج صورها البيانية، ووضعها في قوالب جديدة من التعبير ولم يتغير أسلوبهم في شعرهم عن أسلوب المشارقة" (42) .