بما أن ابن طفيل ولد في وادي آش قُرب غرناطة، وكان قبل وصوله إلى إشبيلية طبيبًا في غرناطة وكاتبًا لواليها (30) . من المحتمل إذن أن ابن طفيل أخذ الطب وعلوم الأوائل، عن ابن باجة أو عن أحد تلاميذه. لا نستطيع أن نثبت أيًّا منهما علّمه، لأننا لا نعرف تأريخ ولادته بالضبط (Gauthier أعتقد أنه ولد حوالي 503/1110) وفقًا للتواريخ التي يتفق عليها المؤرخون، على الأرجح أن ابن طفيل، كابن سهل الدرير - الذي ولد في سنة قريبة لولادة ابن طفيل - أخذ العلوم عن أحد تلاميذ ابن باجة، ونحن هنا نتساءل إذا ماكان علي بن جودي هو هذا التلميذ. فيذكر ابن الأبار عنه في المعجم مايلي (31) :
"ولما يئس من استصلاح أبي العلاء بن زهر في تغيُّره عليه، وكان قد اختص به قبل وانحاش إليه، انصرف إلى غرناطة، وعاود قراءة الطب وأحكم قوانينه وأقام به عيشة بقية عمره".
يسمح لنا هذا النص بأن نعتقد أن ابن جودي، بعد انفصاله عن أبي العلاء بن زهر (ربما بأسباب دينية كما يُعرض لذلك ابن سعيد المغربي) ، رجع إلى غرناطة حيث التقى هناك بابن باجة وأصبح معلمه. بما أن ابن باجة وصل غرناطة حوالي بداية القرن 6 مُصادِفًا بذلك طفولة ابن طفيل، من المحتمل أن علي بن جودي تعلّم عليه وبعد عشر سنوات علّم بدوره ابن طفيل.
إذا ماعدنا إلى التطور العلمي في إشبيلية نجد أنه إضافة إلى المساهمة الخارجية التي شرحنا حتى الآن، لا يمكننا أن نصرف النظر عن التطور العلمي الذي قام به الإشبيليون خلال فترة المرابطين حتى ولو كان على هوامش الدوائر الرسمية كما رأينا سابقًا في سيرة مالك بن وهيب. لدينا أمثلة وأخبار أخرى تدل على ذلك: