فهرس الكتاب

الصفحة 15646 من 23694

والغزالي، إمام المذهب الأشعري الأكثر عمقًا واطلاعًا على ثقافة عصره، كان قد شن حملة شعواء على الفلسفة والفلاسفة بتكليف من الدولة السلجوقية. لقد قفز أبو حامد فوق خلافات المذاهب الكلامية، وجمعها في حملة مشتركة وعلى جبهة واحدة، من أجل قتال الفلاسفة، فجعل"جميع الفرق إلبًا واحدًا عليهم، فإن سائر الفرق يقول أبو حامد، ربما خالفونا في التفصيل، وهؤلاء يتعرضون لأصول الدين، فلنتظاهر عليهم، فعند الشدائد تذهب الأحقاد" (4) . هذه المواجهة هي الأخطر لأنها تتسلل إلى العلوم الإلهية الفلسفية وتحكم عليها بالتهافت فلسفيًا بحجة أنها لا تستوفي الشروط المنطقية.

إذن كان لابد لابن رشد من منازلة الأشاعرة بعامة والغزالي بخاصة، وعلى أرض المعركة ذاتها. لقد حكم العقل الفقهي الرشدي بلا شرعية موقف فقهاء ومتكلمي الأشاعرة من الفلسفة وعلوم الأوائل. هذا من جهة، ومن جهة ثانية حكم على الأشاعرة بأنهم ضلوا وأضلوا في مجمل تأويلاتهم لكلام الشريعة. كما تصدى، من جهة ثالثة لمحاولات الغزالي تهفيت الفلاسفة، وبين أنها متهافتة،"وأن الغزالي بقي بعيدًا عن استيعاب فلسفة الحكيم."

كيف دافع العقل الرشدي عن حق العقل الفلسفي بالوجود على الساحة الثقافية العربية الإسلامية؟ الدفاع الرشدي عن شرعية الفلسفة يشبه إلى حد بعيد دفاع الكندي الذي واجه هو أيضًا بقوة وحماس الفقهاء وعلماء الكلام الذين أفتوا بتحريم الفلسفة بحجة حماية الدين. ففي رسالته إلى المعتصم"في الفلسفة الأولى"، وردًا على اعتبار فلسفة الأوائل نبتًا غريبًا وخطرًا، يعلن الكندي عولمة الفلسفة، ومشاركة الأعصار في إنتاجها، واستحسان اقتنائها بمعزل عن ملل أو قوميات منتجيها (5) ."... ينبغي لنا أن لا نستحيي من استحسان الحق واقتناء الحق من أين أتى، وإن أتى من الأجناس القاصية عنا والأمم المباينة لنا. فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت