بينما تظل الحكمة أو الفلسفة في هوية مع ذاتها بوصفها (السلطة) الأولى سواء من حيث إنها تشرع لغيرها أو من حيث إنها المعيار الذي يسترشد به كل ما عداها، فإننا نجد أن التباين بين فطر الناس وتفاضلها في طرق التصديق قد أدى -في نظر (ابن رشد) - إلى ازدواجية للشرع أصبح للشرع بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا من ناحية وأدى من ناحية أخرى إلى ورود الظواهر المتعارضة فيه أيضًا. ويقرر (ابن رشد) أن:"السبب في ورود الشرع فيه الظواهر والباطن هو اختلاف فطر الناس وتباين قرائحهم في التصديق. والسبب في وجود الظاهر المتعارضة فيه هو تنبيه الراسخين في العلم على التأويل الجامع بينها. وإلى هذا المعنى وردت الإشارة في قوله تعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأُخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب) آل عمران 7" (15) فظاهر الشرع مرتبط بالفطر الأضعف والأدنى وباطنه للفطر الأرقى والأقوى و (التأويل) هو الوساطة التي تحقق التقارب بين مستويات الفطر المختلفة هبوطًا وصعودًا. أو إن (التأويل هو الوساطة التي تضمن تحقيق نوع من الوحدة بين الأفراد المتباينين فيكون من شأن التأويل خلق منطقة يلتقي فيها جميع الأفراد على اختلاف فطرهم وتباين مستوى قرائحهم) مما يؤدي إلى إضفاء نوع من الوحدة على التنوع والكثرة التي هي حقيقة واقعة في كل مجتمع إنساني.
ومعنى (التأويل) عند (ابن رشد) هو"إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازة -من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز- من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عددت في تعريف أصناف الكلام المجازي" (16) .