فهرس الكتاب

الصفحة 15540 من 23694

من الملاحظ قبل كلّ شيءٍ، أنه لم تنشأ قبل ابن رشد في الأندلس مدارس فكرية /فلسفية، شبيهة لما رأيناه في المشرق: كالمعتزلة وجماعة علم الكلام الأشعري وإخوان الصفا.. لا نودّ أن نزاحم أهل الفلسفة في ميدانهم.. والتاريخ علم خطير، وكما قالوا: لا تجعلوه في متناول أهل الفلسفة.. والله أعلم.. ولكن وأيضًا لكن. ولنلفت الانتباه إلى أن مدارس المشرق قد نشأت ونمت في عصر صعودٍ، كما يقولون وذلك في ظل حضارة مدينية، قبل أن تنعكس الآية في عصر التراجع، مع سيطرة الجند وضعف المركز وذبول الحياة المدينية، لصالح ظاهرة المجتمع الاقطاعي المشرقي، التي راحت تبدو بشائره منذ الفترة البويهية ليقوى عودُه في الفترة السلجوقية /الأيوبية (وهو غير ظاهرة الإقطاع التي عهدناها منذ أيام الخليفة الراشدي عثمان والأمويين فيما بعد وليأخذ مظاهر أخرى من إلجاء وحمى وغيره فيما بعد) وقد راح يرافق كل ذلك تراجع المركز (بغداد) وغيرها من مدن الأطراف الأخرى مع ذبول الحياة المدينية، لصالح بيروقراطية عسكرية شبه قبلية، وهلّ القرن الخامس الهجري /الحادي عشر م، مع نظام الملك والتحنيط الفقهي والغزالي بضباب تصوفه وقلقه الفكري والنفسي، الذي ترجمه في"تهافت الفلاسفة"، قبل أن يأتيه الرد الصاعق من قبل ابن رشد في (تهافت التهافت) وكل ذلك كان يجري في المشرق، بعد أن راح الحكام يبررون أعمالهم فقهيًا وعلى طريقتهم، معتمدين أكثر فأكثر على من أطلقوا على أنفسهم"أهل العلم". ويجب أن نعترف بأن تمذهب الخلافة الفاطمية قد لعب دوره أيضًا في تقوية التيار المتزمت /السلفي في المشرق، كرد فعل للخلفيّة الفلسفية الذرائعية للفاطميين، في مراحلهم الأولى. لقد راح الفكر يسير في المشرق بتيار الانغلاق والسلف، قبل أن تسقط بغداد بدويها الهائل فيما بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت