وبذلك انتقل حكم البلاد إلى البرّ الافريقي ليصبح بيد سلالتين، قرنتا الدين بالسياسة والدعوة إلى الجهاد لنشر الإسلام، ورفع رايته، وهما: المرابطون (448هـ /1056م- 541هـ 1146م) من قبيلة صنهاجة، التي أسسها المرابط (عبد الله بن ياسين) قبل أن يتألق نجم يوسف بن تاشفين، الذي قضى على دويلات الطوائف وليستمر خلفاؤه في الحكم لمدة أقل من (90سنة) قبل أن يحلّ مكانهم الموحدّون ليحكموا كل شمال افريقية وجنوب شبه الجزيرة، وليدوم حكمهم قرنًا أو أكثر (541هـ /1146م-668هـ /1269م) . وهكذا كما نرى، وُلد ابن رشد في أواخر أيام المرابطين أو بالأحرى كان ميلاده وشبابه الأول في تلك الفترة، قبل أن يبلغ"رشده، فمرحلة إبداعه في ظلّ الموحدين."
عصر ابن رشد وما قبله:
عندما ولد ابن رشد في مطلع القرن السادس للهجرة/ القرن الثاني عشر ميلادي، كان قد مضى على كيان العالم العربي -الإسلامي قرابة خمسة قرون، ليبلغ أوجَه السياسي في العصر الأموي والعباسي الأول ثم ليسطع نور الفكر والمعرفة وتزدهر الحضارة في شتى أنحاء الخلافة شرقًا وغربًا مع المأمون وبعده: بعد حركة الترجمة وتمثّل الفكر اليوناني والهندي والمحلي القديم. ويمكن القول إن العالم العباسي قد دمج بلدان المحيط الهندي ببلدان البحر المتوسط في فضاء تجاري /اقتصادي/ حضاري واحد. ولأول مرة في التاريخ القديم والوسيط، صار التراث الثقافي اليوناني/ البيزنطي والإيراني والهندي على اتصال فيما بينها، في وسط الموروث القديم (بلاد ما بين النهرين والشام ووادي النيل) وبذلك يمكن القول إنه وللمرة الأولى في التاريخ أصبح العلم كونيًا على مقياس واسع.